وتدني أجورهم). إذ إن أول منزل بناه العمال اليهود انهار أثناء بنائه (27) . وكان المستوطنون اشتراكيين يؤمنون إيمانا عميقا بالمثال الشيوعي، إلا أنه كلما زاد عمق إيمانهم بهذه الفكرة زاد ضيقها في التنفيذ العملي، ولم تكن اشتراکينهم تشمل من حولهم من غير اليهود. وصحيح أن هذه الاشتراكية كانت تندد بالاستعمار الأوروبي التقليدي، الذي كان يعتبر في كثير من الأحيان أمر شائنا من الوجهة الخلفية، إلا أنها كانت مكسوة بلون كثيف من العقلية الاستعمارية التي كانت أكثر سوءا في الأثر العملي، إن لم تكن في المقعد. إذ إن هذه الاشتراكية لم تسع عامدة إلى استغلال الأملين إلا أنها سعدت بحرمانهم من مصادر رزقهم، ثم جردتهم في النهاية من بلادهم. وكان هؤلاء المستوطنون يحتجون قائلين: إن أخوة العمال العالمية لا تنطبق إلا على العمال الذين يعملون فعلا في أعمال و وظائف مضمونة ولا تنطبق على طبقة عاملة يمكن أن تنشأ، ولا بد لها من الكفاح كي تحصل على الأعمال ولا تستطيع أن تمتنع عن الدخول في نزاع مع عمال لا بد لها من أن تنتزع منهم أعمالهم (28) . ولقد انبثقت عن هذه الفلسفة فكرة الكيبوتز الشهيرة التي قامت على إنشاء جمعيات زراعية تقتصر على العمال اليهود وحدهم، كما أدت كذلك إلى طرد العمال العرب الذين وصفهم أحد المفكرين الصهاينة بأنهم جذام مؤلم)، وإخراجهم من المستعمرات اليهودية، ثم أدت في النهاية إلى مقاطعة البضائع العربية بمجرد أن أصبح اليهود قادرين على إنتاج ما يكفيهم.
كان المتحمسون ممن قدموا في اعلياه الثانية مغرمين بالقول إن العرب واليهود سيستفيدون في المدى الطويل من اليد العاملة العبرانية. ولا شك أن البعض منهم كانوا مخلصين تماما في اعتقادهم الغريب هذا الذي كان نابعة من النظرية الماركسية السائدة في تلك الفترة. وكان الاشتراكيون الأوروبيون المتقدمون يقولون قبيل أكبر عمليات سفك الدماء في التاريخ إن الحرب قد أصبحت مستحيلة الوقوع نظرا لأن العمال من أبناء أمة ما سيرفضون إطلاق النار على العمال من أبناء أمة أخرى. وكان رؤاد الصهيونية ماركسيين من نوع جلف ينطوي على بساطة فكرية، ولذا فقد كانوا يحتجون بأن هذه الفكرة تنطبق على فلسطين كذلك. وكانوا يدعون أنه لا يوجد أي تعارض بين مشروعهم البروليتاري و مصالح أهالي البلاد. وكانت أغلبية هؤلاء من الفلاحين والعمال الذين يعانون من طبقة فاسدة من الإقطاعيين، بل كانوا يشعرون أن أولئك لن يلبثوا أن يجدوا لأنفسهم قضية مشتركة تجمعهم مع إخوانهم من اليهود الكادحين. فلو لم يكن هنالك استغلال لليد العاملة العربية لما كان يمكن للعمال العرب أن يقاوموا الصهيونيين