كان كالفارينسکي رجل دعاية يهودية وموظفة إدارية في الرابطة اليهودية لاستعمار فلسطين»، ولكن يبدو أن انطباعاته أمينة في جوهرها، وإن كانت لا شك مفرطة في التفاؤل. فلقد كان لدى المستوطنين الجدد أشياء كثيرة يقدمونها، إذ كانوا يستخدمون أساليب وآلات جديدة، وكان في وسعهم عرض أعمال مجزية، وتوفير سوق للمحاصيل، وعناية طبية، وكانوا يعيرون معداتهم. والواقع أن معظم المستعمرات كانت تستخدم عددا من العرب يصل إلى خمسة أضعاف أو عشرة أضعاف العدد الذي تستخدمه من اليهود. وطبيعي أن الفلاحين قد استاؤوا استياء شديدة من التدخل المبدئي الذي كان السبب في طردهم من أراضيهم، إلا أنهم عندما كانوا يدركون أن المستعمرة دائمة لم يكن يصعب في أغلب الأحيان إيجاد أساس للتعايش. وقد تكرر هذا النمط من الاستياء المبدئي، والعداء المكتوم أو المكشوف الذي يؤدي بمرور الوقت إلى التسليم أو المصالحة المظهرية، في كل مرة تقريبة أنشئت فيها مستعمرة جديدة (2) .
السيطرة على اليد العاملة أخذ موقف اليهود يزداد تصلبة مع بداية القرن العشرين. فقد جاءت اعلياه، الثانية إلى فلسطين بفوج من المستوطنين المسلحين بالعدة العقائدية التي طورها هرتزل وتلاميذه. وكان هؤلاء المستوطنون مصممين، كما يقول ليفيتيكوس، على استعادة الأرض». وقد شدد والصندوق الوطني اليهودي، الذي تأسس في العام 1901 على أن تظل كل الأراضي التي يحصل عليها ملكة يهودية خالصة لا يمكن بيعه أو تأجيره لأحد من غير اليهود. وكان هؤلاء المستوطنون مصممين كذلك على السيطرة على اليد العاملة»، بمعنى أنه لا يسمح لغير اليهود بالعمل في الأراضي التي يحصل اليهود عليها. وطبيعي أنه من العرب كانت الأرض تستعاد وعلى حسابهم كانت اليد العاملة تخضع للسيطرة. وكثيرا ما كان اليهود يذهبون بهذه العقيدة مذاهب متطرفة إلى حدود غير معقولة. ويتحدث المؤرخون الصهيونيون بفخر كبير عما حدث في العام 1908 في بن شيمن قرب اللد، فقد أسست هنالك غابة تذكارية لثيودور هرتزل، إلا أنه عندما عرف الشبان البهود أن العرب هم الذين زرعوا شجيراتها، قاموا باقتلاعها ثم غرسها من جديد، وعندها شعروا بالرضا، غير أن هذه النزعة إلى الانفراد الكامل لم تكن عملية في كل الأوقات، فقد كتب الدكتور روبين، أول رئيس د والمكتب الصهيوني في فلسطين»، في مذكراته فقال إنه حاول أن بيني تل أبيب، مستخدمة واليد العاملة العبرانية فقط، إلا أنه ما لبث أن وجد نفسه مضطرة إلى اللجوء إلى العرب للاستفادة من خبرتهم الطويلة