كان هذا هو الامتحان الذي فشل به الصهيونيون، في رأيه، أسوأ الفشل، وكان هاعام يؤكد أن التاريخ اليهودي يثبت ويؤكد ضرورة مصادقة الجيران واحترامهم.
ومع هذا فما الذي يفعله إخواننا في فلسطين؟ إنهم يفعلون نقيض ذلك، فقد كانوا خدمة في منفاهم، ثم وجدوا أنفسهم فجأة في دولة تتوفر فيها الحرية بدون حدود، حرية غير مقيدة، من النوع الذي لا يوجد إلا في تركيا، ولقد أوجد هذا التحول المفاجيء في أنفسهم ذلك الميل إلى الطغيان الذي يوجد دائما عندما يتحول الخادم إلى سيد. فها هم اليهود يعاملون العرب بعداء وقسوة، ويجردونهم من حقوقهم بلا شفقة أو تأنيب ضمير، ويوجهون الإهانات إليهم من دون سبب، بل ويتبجحون بما يقومون به من هذه الأعمال. ولا يعترض أحد على هذا الأسلوب المقيت والخطير (20) .
شطر هذا الكلام في العام 1891، ففي تلك الفترة المبكرة، والصهيونية لا تزال في مهدها، كان المستوطنون اليهود ينالون هذه الأحكام الصارمة من الرجل الذي ظل طوال الثلاثين عامة التالية يندد بما يرتكب من أعمال سيئة باسم الصهيونية. ومع هذا فقد كان أولئك المستوطنون أقل انصافة بالأنانية القصيرة النظر التي تميز بها الصهاينة الذين جاؤوا بعدهم وكانوا أكثر تطرفا في آرائهم، بل استطاع المستوطنون الأوائل أن يقيموا في الظاهر على الأقل علاقات مثمرة، بل وودية أحيانا، مع جيرانهم العرب، إذ يقول ه. م. كالفاريسكي إن العرب واليهود:
كانوا يلتقون في دورهم في حقولهم، وأقاموا معرفة حميمة بين بعضهم البعض. وعندما بدأ إنشاء المستعمرات اليهودية كانت هناك حاجة كبيرة إلى اليد العاملة ... ولم يكن هناك عمال من اليهود في البلاد. ولهذا كان من الضروري استخدام اليد العاملة العربية. وبذلك وجد المزارعون اليهود والعمال العرب فرصة ليتعرف بعضهم إلى بعض. وكان الفلاحون من أهالي القرى المجاورة يعملون في المستعمرات اليهودية ويعودون ليلا إلى ديارهم، حيث كانوا يرددون أن اليهودي والخواجة (المالك) رجلان طيبان ويدفعان أجرة جيدة. وفي الوقت نفسه بدأت تقوم تدريجيا علاقات وثيقة بين المستوطنين اليهود وملاك الأراضي العرب، وكان المزارعون اليهود يشترون خيولا لتربيتها وركوبها بالمشاركة مع المشايخ العرب، وكثيرا ما كانوا يمتلكون قطعانة مشتركة من الأغنام والماشية (20) .
الع
م لون في المادي والخواجة المالية علاقات وثيقه
ولا لتربيتها