الصفحة 334 من 642

الصيف وما لبث المستوطنون أن أخذوا يتساقطون صرعي. وكان يحدث أن تموت عائلة بأسرها مثل رجل الدين جيكوب إيدلسوهن وزوجته وولديه. غير أن حماسة المستوطنين جعلتهم يبقون في مستعمرتهم خمس سنوات. ثم أتي حين بدا لهم فيه أنه لا مفر لهم من مغادرة هذه المستعمرة بعد أن غلبهم المرض. وفي ذلك الوقت تدخل المليونير البارون دي روتشيلد من باريس فوعد بتقديم أموال لتجفيف المستنقعات. وعلى هذا الأساس قدم في صيف العام 1899 مئات من العمال السود من مصر لحفر الخنادق العريضة والعميقة اللازمة لتجفيف المستنقعات. وكان هؤلاء العمال ايتساقطون بالعشرات أيضا. لكن مع اكتمال عملية التجفيف أصبحت هديرا في نهاية المطاف مستعمرة مزدهرة. ويذكر سميلانسكي أنه كان يعيش في المنطقة بعض البدو بالإضافة إلى سكان القرية الشركسية. وكان هؤلاء البدو يسرقون أحيانا خيول المستوطنين. اثار البدو في المنطقة المجاورة من أبناء قبيلتي الضامرة والأنفيات احتجاجا ... إذ أين يمكنهم أن يرعوا ماشيتهم وأغنامهم؟ إلا أن المدير التركي) جاء من قيصرية مع فصيلة من رجال الشرطة ففرقوا البدر. واستمر العمل بعد ذلك دون ما يزعج (22) .

يسرقون منطقة بعض البدوية المطاف مست

مم وأغناهم أبناء قبيلتي ال

وقد علق المؤرخ البريطاني نيژيل باربور على هذه الحوادث فأشار إلى أن حماسة المستوطنين تستحق الإعجاب، إلا أن عنجهيتهم كانت على الأقل واضحة بالقدر نفسه. فتجفيف المستنقعات لم يتحقق بفضل مهاراتهم التي كانت تميزهم عن الأهالي البرابرة، وإنما بفضل توافر الأموال الكبيرة لهم. كذلك فإن اعتماد المستوطنين على الشرطة التركية لطرد جيرانهم الذين كانوا هم السبب في قطع أرزاقهم كان طابعة يميز هؤلاء المستوطنين (23)

وفي تلك الفترة تقريبا كان أحد هاعام ضمير الصهيونية في أيامها الأولى، يرفع صوته القري والفصيح محتجا على انحرافات حركة كان تصوره لها يختلف كثيرا عن تصور هرتزل. فقد كان هذا الرجل الأخلاقي الذي اتخذ قالب الأنبياء يرى أن الصهيونية وسيلة يستعيد بها اليهود عظمتهم الروحية والحضارية، ويصبحون مرة أخرى ونورة للأمم» بأنبل معاني هذا التعبير. أما الصهيونية في صورتها السياسية الضيقة، وفي اهتمامها الكلى بالأرض وطبيعتها اللصوصية، وصهيونية القوة والانتهازية الدبلوماسية، وطريق الخلاص القصير السهل، فكانت مقيتة في نظره. ولم يكن هنالك من امتحان أكثر وضوح وجوهرية يمكن الحكم به على الصهيونيين من كيفية معاملتهم لجيرانهم الفلسطينيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت