الصفحة 25 من 34

فانظر الان معي يا اخي؛"مفتي زاده"في السجن قرابة عامين، ولا يعلم احد أحي هو أم ميت، وانا أدرس خارج البلد، وهم لا يعلمون عني الا بأنني من انصار الثورة - كما رأوا مني قديما - ونصحني أخي الشيخ عبد العزيز بأنهم ربما سوف يمنعونك من الخروج إذا قمت بزيارته! قلت: (زيارته تستحق هذه المغامرة) ، وفعلا قطعت تذكرة السفر، ودعوت قبل كل شيء؛ (يارب اني اريد لقائه لوجهك تعالى، وليس لي مصلحة حزبية أو اية مصلحة أخرى) ، وقلت لصاحبي هذا؛"بأني أريد ان أنصحه بأن يتبع الإمام"! فطارالغبي فرحا، وقال: (غدا نلتقي في مكان كذا) ، علما ان الشيخ أعجزهم في السجن لمنطقه القوي ومجاهرته بالحق، وهم الآن يرون سنيا ينصح الشيخ بان يتبع نهج الامام في السياسة، فهذا منتهى آمالهم.

ولما التقيت به من الغد في المكان المحدد في طهران في منطقة"سيدخندان"على أساس انني ذاهب إلى السجن لزيارة الشيخ، واذا بنا ذاهبون إلى مقبرة"بهشت زهراء"، حيث نافورة المياه بلون الدم والمقابر حولها، وفجأة رأيت الاخ احمد مفتي زادة مع شخص آخر - أي من الحرس الثوري الذي كان مراقبه ومرافقه في السجن - وربما المحقق معه ايضا، والمنظر كان مؤلما جدا، فقد رأيته من قبل وعرفته؛ رجلا ضخما قوي الجثة، عظيم الهيكل، يزمجر زمجرة الأسد في كل مكان، مع هيبته ووقاره، لم يبق من ذلك الجسم الضخم إلا الوقار وسِيّم الصدق، مع هيكل عظمي، ولباسه الكردي الرث البالي جدا، كأني ألتقي برجل من السلف في هيئته، علما أنهم ولم يخبروا الشيخ إلى أين هو ذاهب.

ولما رأى نفسه في المقبرة؛ تصور أنهم أتوا به هناك ليقتلوه ويدفنوه فورا - كما أخبرني لما جلسنا معا لوحدنا - ثم تجولنا في المقبرة، وتأثري الشديد بهيئة الشيخ ومنظره من جهة، وبمنظر المقبرة - وهم عشاق القبور وسدنتها، حتى أصبحت دراما تتكرر عند كل قبر ومقبرة - ووفقني الله أن تمالكت نفسي بأشد ما يكون، فذهبنا إلى مطعم صغير نحن الاربعة، وبدأ الشيخ بتناول البصل أولًا، وقال: (ان المرء إذا نزل بأي بلد وبدأ بأكل بصله، فسيقيه ذلك من الأمراض الموجودة فيها) ، وربما نقل رواية أيضا في هذا الصدد لست أذكرها.

ثم ذهبنا معا إلى حديقة"كارغر"- أي العمال - جنب مقبرة"بهشت زهراء"، وذهب صاحبي في سبيله، ومرافق الشيخ نام بعيدا عنا أو تمدد، ولاشك ان هناك مراقبين من بعيد نحن لا نراهم ولا نعرفهم، لكن الغريب ان الحديقة لم يكن فيها الكثير من الناس، فقلت للشيخ رحمه الله: (أنا جئت كمغامر اليك، وانا على وشك المغادرة من البلد لإتمام دراستي، وجئت بذريعة ان انصحك لتتبع نهج الخميني) ، وضحكنا معا، وحتى استطعت أن ألتقط صورة تجمعني به، والصورة مازالت باقية لدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت