وجاء في شروط عمر على أهل الكتاب أن يوسعوا كنائسهم وبيعهم ليدخلها المسلمون للمبيت بها، هذا يدل على ماذا؟ على أنه يجوز دخولها .. إلى آخر كلامه، والظاهر أن الأصل هو الإباحة، لكن إذا تعلق به محظور فحينئذٍ نقول: الوسائل لها أحكام المقاصد، فقد نحكم على المباح بأنه محرم إذا أفضى إلى محرم، هذا هو الأصل فيه، وإن كان مباحًا فإذا تعلق به محرم، حينئذٍ نقول: كل ما أفضى إلى محرم فهو محرم. لو كان محرم في أصله بدلالة النص ما احتجنا إلى هذه القاعدة، وإنما هذه القاعدة شأنها في شأن المباح أصالةً، يعني الذي لم يتعلق به ندب ولا إيجاب ولا كراهة ولا تحريم، فالأصل فيه الإباحة، حينئذٍ نقول: هذا المباح إن أفضى وكان وسيلة إلى واجب فهو واجب، وإن كان يُفضي إلى مندوب فهو مندوب، وإذا كان يُفضي إلى محرم فهو محرم، .. وهكذا، الشأن في دخول الكنائس الأصل فيه الجواز لإقرار النبي ع، فإذا أفضى إلى محرم فهو محرم، لهذه نقول: أصل الإباحة لمن أمن على دينه وأمن الفتنة به، لهذه الأحاديث إلا إذا كان ذلك سيؤدي إلى محرم فيحرم لما ذكرنا. هذا باعتبار أصل المسألة، ولو قيل بأنه في مقام الفتوى يُحرم مطلقًا لكان له وجه كذلك، لكان له وجهٌ يعني: خاصة في هذا الزمان، لأنه لا يكاد يخلو عن منكر يتعلق به، إما من جهة الحضور، وإما من جهة ما يتعلق بكونه قد دخل، وخاصة في زمن الإعلام ونشر ذلك وفي زمن الدعوة الكفرية وهي وحدة الأديان، وفي زمن تساهل بعض أهل العلم بل كثير من أهل العلم في التعامل مع اليهود والنصارى، فحينئذٍ هذه محيطة بماذا؟ بأن هذا الشيء لو قيل بتحريمه مطلقًا لكان له وجهه من جهة الشرع، فالأصول تدل على ذلك، لأن الأصل في المسألة الإباحة، لكن هذه تختلف باختلاف الأزمان، فالناس الآن لا يفرقون عامة الناس لا يفرقون بين توحيد ولا شرك العامة الجهلة، وكذلك لا يفرقون بين ولاء ولا براء، ولا يحسن الفرق بين موالاة الكفار وبين معاملة الكفار، أليس كذلك؟ إذا كان يخفى هذا على بعض من يدَّعِي العلم فالعوام من باب أولى وأحرى، وخاصةً ممن وُجِدَ بأنه يرفع راية التعاون أو وحدة الأديان أو نحو ذلك هذا فتنة على الناس، فإذا أُغْلِقَ الباب وقيل بأنه لا يجوز مطلقًا لهذه الأصول، فحينئذٍ نقول: هذا قول معتبر، بل هذا ينبغي أن يكون ثَمَّ فتوى عليه، وخاصة مع وجود الإعلام وتنوع وسائله فلن يكون الأمر سرًّا وإنما يفرحون بذلك إذا دخل عندهم من دخل فيُمنع لذلك.
وقد أفتت اللجنة الدائمة كذلك بعدم الجواز إلا لمصلحة شرعية أو لدعوتهم.
وذكر الشوكاني وغيره في مقام سرد أقوال المسألة أن المسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم. وهو قول الحنفية والشافعية إلا أن الشافعية قيَّدوا التحريم بوجود الصور، وأما الحنفية فالتحريم عندهم مطلقًا، وعَلَّلُوه بأنها مأوى الشياطين.