إذًا نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا في أول الأمر على هذا ليتهيأ لمناظرتهم ويعد الأدلة لامتحانه ولذلك قال: لمنظارتهم. هذه عبارة صاحب (( التيسير ) )لمنظارتهم. لأنهم قد يجادلوه، ولا شك أن أهل الكتاب أهل جدلٍ فحينئذٍ نحتاج إلى مناظرتهم ويعد الأدلة لامتحانهم لأنهم أهل علمٍ سابق بخلاف المشركين وعبدة الأوثان، المشركون وعبدة الأوثان حتى الشبه التي عندهم هي هزيلةٌ من أصلها، يعني: ليس عندهم ما يتمسكون به من نصوصٍ يظن أنها من شرع الله عز وجل، فأولئك قد يستدلون بالإنجيل مثلًا ويرون أنه صحيحٌ عندهم، وأولئك كذلك قد يستدلون بالتوراة ويرون أنه صحيحٌ عندهم إذًا عندهم ما هو شبهةٌ فيما يتمسكون به من انتسابه إلى الشرع، ولذلك سموا أهل كتاب، أهل كتاب لماذا؟ لأنهم ينتسبون ويعتمدون في إقامة دينهم على كتابٍ يظنون أنه من عند الله، وإن كان أصله من عند الله تعالى، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: هو كالتوطئة للوصية. يعني: هذا تؤطئة قبل أن يبين له ما الذي يدعوهم إليه، قال: «إنك تأتي قومًا» هذا توطئة، كالتوطئة للوصية ليستجمع همته عليها، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب لأنه يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، ولذا خصهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر لما ذكرنا سابقًا من أنهم أصحاب كتابٍ يعني: أصحاب علم، حينئذٍ لا يلزم من تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن معاذًا قد بعثه على اليمن وهم أهل الكتاب أن لا يكون فيهم من هو من العرب المشركين، هذا لا يلزم بل هو الغالب فيهم، ثم تخصيصه لهم دون غيرهم هذا لمزيتهم، يعني: لهم فضل لأنهم منتسبون إلى كتابٍ ويظنون أنه منزلٌ من عند الله تعالى فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك لمعاذٍ مرشدًا له وموجهًا، وبين أن عند أهل الكتاب علوم وليسوا بأُمِّيِّين كسائر العرب كأنه قال له خذ أهبتك لهم فإنهم أهل علم وليسوا كغيرهم من المشركين وعبدة الأوثان. وقوله: ( «من أهل الكتاب» ) . ( «من» ) هنا بيانية وفيه دليلٌ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على معرفةٍ بأحوال الناس، وهذه المعرفة والعلم إما أن تكون عن طريق الوحي، وإما عن طريق العلم والتجربة فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك لأمرين:
الأول: أن يكون بصيرًا بأحوال من يدعو.
والثاني: أن يكون مستعدًا لهم لأنهم أهل كتابٍ وعندهم علمٌ كما سبق.