فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 2014

يعني: فحين نجاكم إلى البر أعرضتم، ولا يمنع أن تكون مضمنةً معنى الشرط، وأما الأولى وهي كونها شرطية فهي رابطةٌ لوجود شيءٍ بوجود غيره وهذا لا يتأتى المعنى هنا وإن حمله بعض الشراح على أنها شرطية، لكن ليس بظاهر لما جاءني أكرمته توقف الإكرام على المجيء، وهنا (لما بعث معاذًا) (قال له) هذا لا يتوقف على بعث معاذٍ رضي الله تعالى عنه، وإنما المراد حين بعث معاذًا قال له حينئذٍ صارت ظرفية. وقول من قال بأنها شرطية الظاهر أنه سهوٌ ظاهر، بل هي ظرفية بمعنى حين {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} وعلى القول بأنها شرطية فهي رابطةٌ لوجود شيءٍ بوجود غيره نحو لما جاءني أكرمته توقف مضمون أكرمته على وجود مضمون لما جاءني يعني: المجيء، فإنها ربطت وجود الإكرام بوجود المجيء أي: دالة على ارتباط تحقق مضمون الجملة التالية بتحقق مضمون الجملة الأولى، هذا المشهور عند النحاة ارتباط السببية يعني: الثاني سببٌ للأول، فتكون شبيهةٍ بحرف الشرط، واختلف في هذه فقال سيبويه: إنها حرف وجودٍ لوجود. وقال الفارسي وغيره: أنها ظرفٌ بمعنى حين. وقال ابن مالك: بمعنى إذْ ففيه معنى الشرطية. يحتمل هذا وذاك، لكن الشرطية ليست بظاهرة (لما بعث معاذًا) المراد بالبعث هنا البعث البشري كما سبق في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} [النحل: 36] . وأن الراغب الأصبهاني يرى أن البعث على مرتبين أو ضربين بعثٌ إلهي وبعثٌ بشري، وهنا المراد به البعث البشري كبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجةٍ، إذا أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث. فبعث أي: أرسل ومرّ معنا {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} نحو أرسلنا رسلنا فمثله في المعنى، بعث بمعنى أرسل. قوله: (فقال له) . أي: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذٍ ( «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» ) . وفي رواية عند البخاري «إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب» وتأتي وتقدم بمعنًى واحد، ( «قومًا من أهل الكتاب» ) ( «من» ) هذه بيانية و ( «أهل الكتاب» ) قال القرطبي: يعني: به اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب، فهم الغالب على تلك البلد. وهذا لا يمنع وجود غيرهم، وتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعثه إلى أهل اليمن وهم أهل الكتاب لا يلزم منه أن لا يوجد معهم من هو مشرك من عبدة الأوثان وإنما ذكر من هو غالبٌ على تلك البلد، لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب، وإنما نبه على هذا ليتهيأ بمنظراتهم، ويعدُ الأدلة أو يعدَ الأدلة لامتحانهم لأنهم أهل علمٍ سابق بخلاف المشركين وعبدة الأوثان، يعني: عندهم ماذا؟ عندهم علوم سابقة وعندهم شبه وعندهم ما يستدلون به ويظنون أنه من كلام الله عز وجل، أو أنه من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، حينئذٍ عندهم شبه فلا بد أن الناظر معهم أو الداعي على بينة بما هم عليه، ولا يأتي هكذا ويقدم ويجادل اليهود أو يجادل النصارى أو يجادل الرافضة أو يجادل الصوفية أو يجادل الجماعات المختلفة وهو لا يدري ما عندهم من الباطل وما اعتمدوا عليه من الشبه، هذا غلطٌ وليس موافقًا للمنهج الصحيح، أو المنهج النبوي الذي عليه سلف الأمة، ولذلك قلنا: هذا الباب باب قواعد في الدعوة إلى الله تعالى، فمن القواعد ما نص عليه في مقدمة الحديث ( «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» ) لماذا؟ لأنهم أصحاب علمٍ وأصحاب شبهة. إذًا: ليس كل داعيةٍ يُقدم على دعوة من كان صاحب شبهة سواء كان كافرًا أو مسلمًا وعنده شبهة بدعةٍ ونحوها، حينئذٍ لا بد أن يكون على علمٍ بهذه الشبه، وعلى علمٍ بأدلتهم وعلى علمٍ بما يَرُدّ تلك الشبه، وأما الإقدام هكذا دون أن تكون له خلفية علمٍ بما هم عليه ولو كان باطلًا ولو كان ما عندهم باطلًا، إذا أراد أن يدعوهم لا بد أن يعرف ما هم عليه من دينٍ أو ضلالٍ أو بدعةٍ ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يجادلهم بالتي هي أحسن، وأما الإقدام هكذا دون أن يكون له سابق علم بشبهة هؤلاء نقول: هذا مخالفة للهدي النبوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت