قال المصنف رحمه الله تعالى - أورد بعض النصوص الدالة على تفسير هذه الآية: (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) الحبر بفتح الحاء وكسرها، هو واحد أحبار اليهود، وقيل: الكسر أفصح حِبرُ حَبرُ، وهو العالم بتَحْبِير الكلام وتحسينه، سُمِّيَ حَبْرًا لِمَا يبقى من أثر علومه في قلوب الناس وأثار أفعاله الحسنة المقتدى بها، يعني يدل على علمه، وبعضهم يرى أنه لكثرت علمه سُمِّيَ ماذا؟ بَحْرًا حَبْرًا بَحْرًا يعني مقلوب عنه الاشتقاق الأكبر، فدل على أنه كثير العلم كما أن البحر كثير الماء، له وجه لكن ما ذكره من أهل اللغة.
وقال أبو عبيد: يرويه المحدثون كلهم بالفتح. حَبْرٌ يعني الرواية بالفتح.
(فقال - هذا الحبر: يا محمد!) خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل يا رسول الله لأنهم لا يقرون برسالته - صلى الله عليه وسلم -. قال (يا محمد! إنا نجد) أي يجد ذلك الحبر ذلك الوصف في كتبهم، (نجد) أين يجده؟ في التوراة أن يجدوا ذلك الوصف في كتبهم، وفيه يعني استدلال من هذا النص كونه أقر بذلك أن ما سيذكره أقروه، موجودٌ وهو حقٌّ ولم يحرف، كذلك أقروا به لأن ما يكون في التوراة عندهم منه ما يفصحون به، ومنه ما يكذبونه، وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهم في التوراة أو لا؟ موجودٌ، لكن أنكروه، وهذا المعنى الذي ذكروه لَمَّا لم يخالف ما عندهم من الهوى أقروا به، ولذلك قال: (إنا نجد) تفاخر بذلك، فيجد ذلك الحبر ذلك الوصف في كتبهم وفيه أن هذه العلوم وأمثالها باقيةٌ عند اليهود الذين في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينكروها ولم يتأولوها، يعني أَبْقَوْهَا مع أنه وُجِدَ من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من حَرَّفَ القبض بالتصرف يعني رده إلى شيءٍ معنى، فحرفوا وهؤلاء لم يحرفوا، فسَلِمَ اليهود ولم يسلم هؤلاء الذين ينتسبون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، سَلِمُوا في هذه المسألة فحسب. قال ماذا؟ (نجد أن الله - تعالى - يجعل السماوات على إصبع) الإِصْبِع واحد الأصابع يُذَكّر ويُؤَنَّث، وفيه عشر لغاتٍ: (فتح الهمزة، وضمها، وكسرها إِصبع أَصبع أُصبع، مع الحركات الثلاث في الباء، والعاشرة أُصْبُوع كأسبوع، وأفصح هذه اللغات كسر الهمزة مع فتح الباء إِصْبَع، لا بأس قل ما شئت، لكن إِصْبَع هي الأفصح) ، وفيه إثبات الأصابع للرحمن جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته.