الاعتبار الأول: بحسب الحال المقتضي - حال الشخص نفسه - مضطر أو غير مضطر، معتدٍّ أو غير معتدٍّ، ثم بحسب ما تقتضيه حكمة ما يعلمه هو، فالحال الأولى وصف للداعي، والحال الثانية وصف للباري جل وعلا وما تقتضيه حكمته، وهذا مما يُستدل به على كرم المولى سبحانه وشمول إحسانه، ولا يدل على حسن حال الداعي إن لم يقترن بذلك ما يدل عليه، يعني إجابة الدعوة لا يدل على ماذا؟ على أن الداعي على خير لا يلزم، بل قد يسأل ربه كما اشتهر عند أئمة الدعوة أن الكافر إذا اضطر إلى أمر ما فدعى أجابه، أليس كذلك؟ وهو كافر، حينئذٍ إذا أجاب الله تعالى للعبد سؤاله لا يدل على ماذا؟ على أنه على خير وهدى إلا إذا اقترن به هو شيءٌ آخر كوصف النبوة والرسالة، حينئذٍ يجيب دعاءه فيدل على ماذا؟ على إعجازه على أن هذه كرامة له، ولذلك قال: ولا يدل على حسن حال الداعي إن لم يقترن بذلك ما يدل عليه على حسن الداعي كسؤال الأنبياء ودعائهم على قومهم ولقومهم، فيجيب سبحانه، يجيب لهم مباشرةً، فإنه يدل على صدقهم فيما أخبروا به وكرامتهم على الله سبحانه وتعالى، أما ما عدا الأنبياء والمرسلين فإذا دعوا الله تعالى وأجاب حينئذٍ لا يدل على أنه على خير وهدى، لأنه يجيب الفاجر كما أنه يجيب البر.
الثاني: إجابة خاصة ولها أسباب عديدة منها دعوة المضطر قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] . والمضطر بعض أهل العلم يرى أنه عام يشمل المؤمن والكافر، ومن أسبابها طول السفر والتوسل إلى الله سبحانه بأحب أسمائه وصفاته ونعمه، التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته وبالعمل الصالح ونحو ذلك، يعني مما جاء به الإذن، وكذلك دعوة المريض والمظلوم والصائم والوالد على ولده أو له وفي الأوقات والأحوال الفاضلة كل ذلك يُعتبر من الأسباب الدالة على الإجابة الخاصة، وفيما تقدم دليل على أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضارّ، يعني يترتب عليه ذلك وقد وَقد، قد يكون وقد لا يكون، وفيه أن الدعاء يطلق على السؤال والطلب، ويطلق على العبادة كما مر معنا مرارًا، فالدعاء في اللغة هو السؤال والطلب، هذا الأصل دعوته يعني سألته وطلبته، ثم ينقسم إلى قسمين:
دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
فدعاء مسألة هو الطلب الذي ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، يعني بلسانه ينطق بلسانه.
أما دعاء العبادة فهو سائر العبادات من تسبيح وتهليل وتكبير وصلاة وغير ذلك، يعني غير السؤال.