نقول: كذلك لو تاب من الشرك غفر الله تعالى له، أليس كذلك؟ فالشرك معصيةٌ من المعاصي من تاب منها تاب الله عليه، كذلك ما كان دون الشرك لكن التفريق هنا ما بين الشرك ودونه المراد به من مات دون توبةٍ من الشرك ومن مات دون توبةٍ من الكبائر، فهذا الذي عناه في هذه الآية، فإن التائب من الشرك مغفور له، كما قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] . فهنا عمم وأطلق لأن المراد هنا التائب في هذه الآية، وهناك خصَّ وعلَّقَ لأن المراد به من لم يتب.
فـ (الْوَعِيدِيَّةِ) تشمل طائفتين المعتزلة والخوارج، ولهذا قال المصنف: (مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ) . فيشمل المعتزلة، المعْتزلة القدرية وهم وعيدية ويشمل الخوارج، فدخل فيه الطائفتان.
أما القول الوسط الذي عليه أهل السنة والجماعة فهو أن الفاسق معه بعض الإيمان، لأنه بفسقه لم يخرج عن الإيمان بالكلية، بل نقول: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو القول الوسط، لأن الله تعالى فرَّق بين ذنوب تخرج عن الإيمان، وبين ذنوب لا تخرج عن الإيمان، ويبقى الوصف له، يعني مطلق الوصف لا الوصف المطلق، وهذا كما يأتي موضعه إن شاء الله تعالى، حينئذٍ إذا مات على معصية دون توبة فهو تحت مشيئة الله إن عفا عنه أدخله الجنة من أول وهلة وإلا عذبه بقدر ذنبه، ثم أدخله الجنة فلا بد من دخول الجنة كل موحد مات على التوحيد وإن مات على ما مات عليه من الذنوب فمآله إلى الجنة، قد يعذبه وقد لا يعذبه، فلا يُعطى الإيمان المطلق يعني الوصف الكمال، ولا يسلب عنه مطلق الإيمان، بل يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. أو يقال: مؤمن ناقص الإيمان. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة ودرج عليه السلف الصالح عكس ما عليه الخوارج والمعتزلة والمرجئة، فالمرجئة في طرف مهما فعل من المعاصي فهو مؤمن كامل الإيمان، والخوارج والمعتزلة لا بمعصية واحدة كفر خرج من الإيمان، ثم قد يجعل في منزلة الكفر، وقد يجعل في منزلة بين المنزلتين، واتفقا الطائفتان على أنه خالد مخلد في النار، ولا تنفعه شفاعة الشافعين البتة. فالمرجئة في طرف، والخوارج والمعتزلة في طرف آخر، فالخوارج والمعتزلة غَلَوْا في ذلك، والمرجئة جَفَوْا، فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب. والخوارج يقولون: يُكَفّر المسلم بكل ذنبٍ. وهذا باطل، وكذلك المعتزلة قالوا: يحبط إيمانه كله بالكبيرة فلا يبقى معه شيء من الإيمان، لكن الخوارج يقولون: يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر. والمعتزلة قالوا: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين. وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار، وكلاهما مخالف للسنة المتواترة ولإجماع سلف الأمة وأئمتها.