وهذا اعتقادٌ باطل بدليل السمع والعقل أما السمع فمنه قوله تعالى: ... {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، وقوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] دل هذان النصان على أنه لا يمكن الإحاطة بكيفية صفات الخالق جل وعلا، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، العلم بالشيء مغاير للعلم بكيفيته، هذا علمٌ، وهذا علمٌ، أخبرنا الله عز وجل بأن له صفة اليد ولم يخبرنا كيف يده، وكذلك أخبرنا بأنه استوى فحينئذٍ وُجِدَ العلم بالاستواء، بَقِيَ علمٌ آخر وهو العلم بكيفية الاستواء أخبرنا بالأول ولم يخبرنا بالثاني، ونهانا عن قَفْوِ ما ليس لنا به علم قال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} إذًا:
نقف مع ما عَلَّمَنَا إِيَّاه.
ونفوض إلى الله تعالى عَلْمَ مَا لَمْ يُعْلِمْنَا إيَّاه.
فالتفويض حينئذٍ يكون لا في المعنى وإنما يكون في العلم بالكيفية، ولذلك إذا قيل: أهل السنة هل يفوضون؟ فلا يجاب بنعم أو لا، وإنما يأتي بالتفصيل، ماذا تريد بالتفويض؟ لأن التفويض المراد به إحالة الشيء إلى الله عز وجل، فالله أعلم، فيستفصل:
-إن كان المراد تفويض المعنى فهذا باطل، وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات الألفاظ وما دلت عليه من معانٍ لغوية كما مر معنا.
-وأما إن أريد به تفويض الكيف بمعنى أننا لا ندري كيفية هذه الصفات، فهذا حقٌ، وهذا لا إشكال فيه. نقول: أهل السنة يفوضون الكيف دون تفويض المعنى. بل زاد بعضهم أن أهل السنة يفوضون العلم بالمنتهى بالصفة، فنحن نعلم مثلًا صفة العلم نثبت الصفة اللفظ ونثبت المعنى، لكن هل يدرك العقل كمال الصفة؟ هذا لا يدركه العقل. إذًا هذا تفويضٌ آخر، وهو أننا نعجز عن إدراك منتهى علم الله عز وجل، وعن إدراك منتهى سمع الله عز وجل، وعن إدراك منتهى حياة الله عز وجل، وهكذا في سائر الصفات فيكون تكيفنا قَفْوًا لِمَا ليس لنا به عِلْمٌ وقولًا بِما لا يمكننا الإحاطة به. وأما العقل يعني: دلالة العقل على تحريم التكييف وأنه ممنوع، فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بثلاثة أمور - كيف نعلم كيفية الصفة - إلا بثلاثة أمور:
الأول: بعد العلم بكيفية ذاتها. أنت ترى الذات
-أو تَخْبَر عن الذات.
-أو العلم بنظيره المساوي له. [أو بالخبر الصادق عنه] . واحد من هذه الأمور الثلاثة:
-إما أن ترى الذات.
-وإما أن ترى مثيلًا للذات.
-وإما أن يأتيك خبر صادق.
إذا كان الله عز وجل فلا بد أن يكون عن نبيه ع، إما قرآن وإما سنة. هذه هل هي موجودة في الكتاب والسنة ما يتعلق بكيفية صفات الرب جل وعلا؟ لا. إذًا انقطعت الطرق الموصلة للعلم بالكيفية.
لا نعلم ذاته جل وعلا.
ولا نعلم مساويًا له جل وعلا.
ولم يأتنا عن الخبر الصادق ما يُثبت ذلك.
فحينئذٍ انقطعت السبل لمعرفة كيفية ذاته جل وعلا، وكيفية صفاته سبحانه.