الصفحة 140 من 883

الثالث: تعطيل حَقٍّ معاملته بترك عبادته أو عبادة غيره معه، وهذا ما يتعلق بتوحيد، توحيد ماذا؟ بتوحيد الألوهية، تعطيل حقه يعني حق معاملته لئلا يُعبد الله عز وجل، أو يعبد ويُشَرَّكُ معه غيره. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والتعطيل شرٌّ من الشرك، المقارنة بين المعطل والمشرك أيهما أشد فسادًا في القلب وفي العمل وما يترتب عليه، أيهما أشد المعطل أم المشرك؟ لا شك أن المعطل يختلف حكمه الشرعي، بمعنى أنه من جحد صفةً لله عز وجل هل يكفر أم لا؟ من جحد جميع الصفات؟ كافر ولا شك، ولذلك أجمع السلف على كفر الجهمية، وأما من أثبت بعضًا ونفى بعضًا والنفي حقيقته الجحود والإنكار هذا فيه تفصيلٌ عند السلف، وإن كان الكثير من أئمة السلف أنهم لم يكفروا الأشاعرة، ولكن ينظر في الصفة من حيث هي، فإن كانت الصفة مما قد يشتبه على الناظر بأن يوجد لهذا اللفظ معنًى أو أكثر في لسان العرب كاليد قد يقال: بأنه ثمّ شبهة فلا يُكفر بها متى هذا؟ إن كان للصفة أكثر من معنى في لسان العرب كاليد ونحوها، حينئذٍ يُنظر فيه، نقول: هذا اللفظ وهو اليد له معاني أوصلها بعضهم إلى ثمانية عشر معنى وإن كانت غير مرادة - لا شك أنها غير مرادة - لكن لو وقعت عنده شبهة قد يعذر بذلك فلا يكفر، أما الصفة التي يعذر أحدٌ بتأويلها أو تحريفها - قد يسبق اللسان نقول: تأويل. لكن هذا لما شاع - نقول: بتحريفها أو صرفها عن ظاهرها وهذا لا يعذر بالشبهة البتة، وإنما يحكم بكفره، كمن قال بأن الله في كل مكان، فالعلو لا شك أنه ثابتٌ بالشرع وثابتٌ بالعقل وهو مجمعٌ عليه، بل ثابتٌ حتى بدلالة العقل وثابتٌ بدلالة الفطرة، الأدلة الخمسة كما قرر ابن القيم من غير وجهٍ دلت على أن الله تعالى عالٍ على خلقه بذاته، فمن نفى العلو الذاتي على المخلوقات هذا الأصل فيه أنه يكفر، قد قال بذلك بعضٌ من السلف. وسيأتي أن بعض أئمة السلف أن من أنكر الرؤية كذلك يكفر. ثَمّ رواية للإمام أحمد مشهورة عند بعض الأصحاب أنه من أنكر الرؤية لو قال: لا يُرى الله عز وجل أو حَرَّفَها على معنًى يَنْبَنِي عليه أنه لا يُرى الله عز وجل هذا كذلك يُعتبر من الكفر، ولا مانع أن يلحق بذلك كذلك الاستواء، وإن كان بعضهم يقرر أن الاستواء مما تقع فيه الشبهة، لكن الاستواء جاء في سبع مواضع في القرآن كلها على نصٍّ واحد {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . لو كان الظاهر غير مراد لجاء في موضعٍ واحد ولو في السنة ولو في بعض أقوال السلف الصحابة ونحوهم بأن المراد به الاستيلاء، وحينئذٍ كونه يأتي في سبع مواضع نقول: هذا دلالةٌ قطعية. ولا شك أن الذي يكون دلالته قطعية حينئذٍ صرفه عن ظاهره يعتبر من الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت