فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 321

الثاني: رزق ما يقوم به الدين. الأول ما يقوم به البدن، الثاني ما يقوم به الدين، وهذا خاص بالحلال، لأنه لا تبعة على المسلم فيه وهو ما كان قوامًا له على الطاعة، فحينئذ يدخل في قوله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] فدَلّ على أن الطيبات هذه مختصة بالمؤمنين فحينئذ المؤمن الذي يجانب ويبتعد عن الحرام نقول: هو مرزوق وهذا الرزق خاص به لأنه سلك طريقه وهو طلب الحلال، وأما غيره من الكافرين أو الفاجرين من أهل الإسلام الذين لا يفرقون بين حلال وحرام في أكل ربا ونحو ذلك نقول: هذا قد أتى إلى رزقه وإن جمع بين المسلكين، طلب الرزق الحلال وطلب الرزق الحرام، إذًا ما يحصل به قوام البدن مطلقًا سواء كان حلالًا أم حرامًا، وسواء كان المرزوق مسلمًا برًّا أم فاجرًا أم كان كافر هو رزق. وهنا يفرق بين الرِّزق والرَّزق، فالرِّزق هو العين المرزوقة المخلوق، والرَّزق بفتح الراء هو فاعل الرب جل وعلا كالخلق والمخلوق، الخلق هذا صفة الرب جل وعلا وهو صفة كمال، والرَّزق صفة الرب جل وعلا، والإحياء والإماتة والنفع والضُّرّ هذه كلها مصادر وهي تدل على الفعل حينئذ يتصف الرب جل وعلا بهده الصفة، وأما الرِّزق فهو العين المرزوقة وهي مخلوقة. إذًا الله جل وعلا خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هَمَلًا يعني خلق ورَزق ونأكل ونعيش كالبهائم لا نؤمر ولا ننهى ولا حساب ولا بعث ولا جزاء ولا جنة ولا نار هكذا مثل البهيمة يعيش الإنسان؟ الجواب: لا. قال: ولم يتركنا هَمَلًا. لا يظن الظان أنه مخلوق هكذا عبثًا وسُدَى وأنه يترك همل؟ لا، قال: ولم يتركنا جل وعلا هَمَلًا بالتحريك هو السُّدَي المتروك، يقال: هَمَل، ويقال: عَبَث. ويقال: سُدَى وكلها بمعنى واحد، ولكن هَمَلًا هذا لم يرد في الكتاب وإنما ورد عبث وورد السُّدي فلذلك جاء {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] وجاء أيضًا {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] جمهور المفسرين على تفسير سدى بأنه لا يُؤمر ولا يُنهى فيعرف المطيع من العاصي وما يترتب على ذلك في الآخرة من الجزاء للمطيعين وعقاب للعاصين؟ الجواب: لا، ولم يتركنا هَمَلًا أي مهملين معطلين كالبهائم لا نؤمر ولا ننهى، ولم يتركنا هَمَلًا هذا إشارة إلى فرد من أفراد أفعال الرب جل وعلا، خلقنا هذا صفة الرب وهي الخلق، رزقنا صفة الرب جل وعلا وهي الرَّزق، ولم يتركنا هَمَلًا هذه إشارة إلى التدبير أن الله جل وعلا دَبَّرَ خلقه فلم يتركهم سُدًى ولا هَمَلًا، دبرهم دبر أمورهم {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3] فتدبير الله لخلقة صفة خاصة به لا يشاركه فيها غيره من المخلوقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت