فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 321

كذلك من جهة النظر أن يقال: بأن النظر في الأدلة، ومعرفة الصحيح منها وعدمه، ومعرفة ما يمكن أن يستنبط من هذه الأدلة، هذه لا يستطيعها كل الناس، والتوحيد هذا أمر عام لكل من يمكن منه العلم أو لا يمكن منه العلم، وإنما يسأل أهل الذكر فيتعلم. لو ألزم بمعرفة وجه الاستدلال لشقّ عليه ذلك، ورفعًا للمشقة ودفعًا للكلفة، حينئذٍ نقول: الأمر على ما ذكرنا من منهج السلف، ثم العلم بالأدلة لا يستطيعه كل أحد وفيه المشقة. وقوله جل وعلا: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فيه دفع للمشقة، وقوله جل وعلا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وإجماع الصحابة هذا واضح لا إشكال فيه إجماع الصحابة على أنهم كانوا يقبلون من يأتي بالشهادتين دون أن يثبت دليلًا على تصديقه وإنما تقبل منه الشهادتان.

إذًا قوله: (بِالأَدِلَّةِ) المراد به أن تؤخذ تلك المسائل والأصول عن دليل، فإن لم تكن عن دليل فحينئذٍ لا يصح الإيمان ولا يصح التوحيد. ونقول: في هذا نظر. وأما الفروع فهذه لم يقل بها أحد من أهل العلم أنه لابد أن يأخذ كل كلمة يقولها في الصلاة لا بد أن يأخذها عن دليل، هذا لم يقل به أحد وإنما المراد الخلاف في أصول الدين التي يحصل بها الدخول في الإسلام والبراءة من الشرك والكفران، هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى وهى العلم.

(الثَّانِيَةُ) أي المسألة الثانية من المسائل الأربعة الواجب علينا تعلمها والعمل بها. قال: (العَمَلُ بِهِ) . المسألة الثانية: (العَمَلُ بِهِ) الضمير هنا يعود على العلم، إذًا يجب العمل بالعلم.

وهل مراد المصنف بالعلم ما يشمل المستحب أم أنه خاص بالواجب؟ خاص بالواجب، حينئذٍ لا نحتاج أن نقول: العمل هنا قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا، لماذا؟ لأن الكلام في العلم الواجب، والعمل بالعلم الواجب واجب، وأما العمل بالعلم المستحب مستحب؟ [ها] مستحب مطلقًا أو في الجملة أو بالجملة؟ نقول: مستحب على الأفراد، وأما على الكلّ فهو فرض كفاية كالعلم.

ذكرنا أن العلم منه فرض عين، وفرض كفاية، فرض الكفاية يكون المخاطب به الكلّ، ثم إذا فعله البعض يسقط عن الآخرين. ففعله حينئذٍ يكون من جهة الأفراد مستحب، وأما من جهة الكلّ فهو فرض كفاية، كذلك العمل بالمستحبات هذا لا بد من وجوده في الأمة، حينئذٍ إن وجد من الكلّ فحينئذٍ نقول: هذا فعلٌ للمستحب، إن وُجد من البعض وترك البعض، نقول: فعلُ البعضِ هذا فعلٌ لفرض كفاية، وترك البعض نقول: هذا تركٌ لعلم مستحب فلا يضر.

إذًا (العَمَلُ بِهِ) نقول: الضمير هنا يعود على العلم، والعلم منه الواجب، ومنه المستحب، والمراد بالعمل هنا العمل بالعلم الواجب، أما المستحب فليس داخلًا فلا نحتاج إلى تفاصيل.

النصوص الشرعية وردت في وجوب إتباع العلم بالعمل، وورد الوعيد الشديد لتارك العمل بما عَلِم لذلك جاء في الحديث: «لن تزولا قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» ، وذكر منها عن علمه ماذا عمل فيه، حينئذٍ لا يحل له أن يعلم ثم يترك، ولذلك هاتان المسألتان متلازمتان، لا علم نافع إلا بعمل به، ولا عمل إلا بعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت