إذا مات كما في حديث عائشة وهو ابن ثلاث وستين، وأنزل عليه وهو ابن أربعين، كم بَقِيَ ثلاث وعشرون. من هنا أُخِذَت، ثلاث وعشرون بالقسمة، أُنزل عليه الوحي أول ما بدأه وهو ابن أربعين سنة، ومن هنا أخذ بعض أهل العلم فائدة - لكنها ليست بالصواب - أن المعلم أو المدرس لا يدرس إلا إذا بلغ الأربعين، وهذا ما هو صحيح، بل متى ما تمكن درَّس حتى يُفْتِي أهل العلم بهذا. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أُوحي إليه إلا وهو ابن أربعين، نقول: هذه الفائدة ليست في محلها. إذًا مات - صلى الله عليه وسلم - وعمره ثلاث وستون، وبعث وعمره أربعون، وحينئذ يكون ثلاثًا وعشرين نبيًّا رسولًا. وقوله: (وَثَلاَثٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا ورَسُولًا) . إذًا جمع بينهما المصنف فهذا يفيد أنه يرى عدم الترادف بين الرسول والنبي، وثَمَّ قولان لأهل العلم: منهم من يرى أن كل رسول نبي، وكل نبي رسول، فهما مترادفان كما قيل في الإسلام والإيمان. ومنهم من يرى أن ثَمَّ فرقًا بين الرسول والنبي، وهذا هو الصواب، أنه فرق بينهما، ثم اختلفوا في وجه الفرق بينهما، الذي شاع عند أهل العلم عند الجماهير أن النبي إنسان ذكر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. والمراد بكونه لم يأمر بتبليغه لم يؤمر بالقتال على أن يتبعه الناس. والرسول هو إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، يعني أمر بقتال الناس حتى يتبعوه، فحينئذ صار كل رسولٍ نبيًّا وليس كل نبيّ رسولًا.
قال: (نُبِّىءَ بِـ {اقْرَأْ} ، وَأُرْسِلَ بِـ {الْمُدَّثِّرُ} ) . (نُبِّىءَ) حصلت له النبوة بصدر {اقْرَأْ} على الأصح، وقيل: بالمدثر وهو قول ضعيف. (نُبِّىءَ بِـ {اقْرَأْ} يعني بصدر سورة إقرأ وليس بـ {اقْرَأْ} كلها،(نُبِّىءَ) أي خُبِّرَ بـ {اقْرَأْ} لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في بدء الوحي قصة طويلة وفيه قالت عائشة: (جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: إقرأ. فقال: «ما أنا بقارئ» . فذكرت الحديث وفيه ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ... إلى قوله: {عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] . فدل على أن أول ما نزل هو اقرأ:
اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فَالمُدَثِّرُ ... أَوَّلُهُ وَالعَكْسُ قَوْمٌ يَكْثُرُ