لم يُذكر معه الإسلام، حينئذٍ نحمله على المعنى العام، بماذا فسره النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: «آمركم بالإيمان بالله وحده» . قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان وأن تؤدوا من المغنم الْخُمُس» . هذه أعمال ظاهرة أو باطنة؟
ظاهرة. فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بالأعمال الظاهرة، الشهادتين، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الصوم، إلى آخره، وفسره في حديث جبريل بـ ( «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ) . هنا أعمال ظاهرة - في الحديث الذي معنا، وهناك أعمال باطنة.
ما الجمع بينهما نقول: في حديث جبريل ورد الإيمان مقرونًا بالإسلام فحُمل على الأعمال الباطنة، وهنا جاء مفردًا غير مقرون بلفظ الإسلام فحُمل على الأعمال الباطنة والظاهرة.
قال ابن القيم رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: (فيه - أي في الحديث - أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول، والعمل، كما عَلِمَ ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون وتابعوهم - وهو أن الإيمان يشمل القول والعمل - وعلى ذلك - يعني يدل على ذلك - أن الإيمان يشمل القول والعمل، وأن الصحابة وتابعي الصحابة وتابعي التابعين قد فهموا ذلك، وعلى ذلك ما يقارب من مائة دليل من الكتاب والسنة. ويكفي الإجماع.
وفى الصحيحين قوله - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله» . وهذا قول فدخل في الإيمان، لأنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» أي خصلة ونحوها «فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» . هذه ثلاثة أمثلة لقول اللسان أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو عمل ظاهر، والحياء وهو عمل قلبي، إذًا يشمل الاعتقاد والظاهر، هذا الإيمان إذا أُطلق، لأنه في الحديث مطلق.
وسمَّى الله جل وعلا في كتابة الصلاة إيمانًا وهو عمل ظاهر قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] . أي صلاتكم الأولى إلى بيت المقدس، وإيمانكم هنا أطلق على الصلاة، فدل على شيئين:
الشيء الأول: أن الصلاة عمل ظاهر، وهي إيمان، فالإيمان حينئذٍ يشمل الأعمال الظاهرة.
[والثاني] : دل على أن تارك الصلاة كافر. لماذا؟
لأن الكل إذا أطلق على جزئه دل على أنه يفوت بفوات ذلك الجزء، هذا في لسان العرب، والقاعدة أن العرب إذا أطلقت لفظ الكلّ على الجزء فحينئذٍ يدل على أن هذا الكلّ يفوت بفوات ذلك الجزء وهو ركن فيه، فدل ذلك على أن الإيمان ينتفي بانتفاء الصلاة، إذًا تارك الصلاة إجماع - يكاد يكون إجماع - تارك الصلاة، نقول: هذا كافر.