{شَهِدَ} أخذ منها أهل العلم أن الشهادة لا بد فيها من علم وإخبار وإظهار وحكم وإفزاع، لأن شهد تأتي بهذه المعاني في لسان العرب فحينئذٍ الأصل في ما جاء في كلمات القرآن أن يُحمل على كل ما جاء في لسان العرب ما لم يكن ثَمَّ تنافٍ بينها، فلفظ (شهد) يأتي بمعنى لزم، ويأتي بمعنى أخبر أو بمعنى حضر، أو بمعنى بيَّن وقضى .. إلى آخره، فنقول: هنا المراد شهد الله، بمعنى أخبر وبيَّن وأعلم وحكم وقضى أن ما سوى الله ليس بإله وأن إلاهية ما سواه باطلة فلا يستحق العبادة سواه جل وعلا كما لا تصلح الإلهية لغيره، فدلت هذه الآية على أن لا معبود إلا الله جل وعلا، ولذلك أراد المصنف أن يُبَيِّن مدلول هذه الكلمة التي جاءت في ضمن قوله جل وعلا {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد التي بها أرسل الله جل وعلا رسله وأنبياءه، وأنزل بها كتبه ولأجلها خُلقت الدنيا والآخرة، ولا أجلها خُلقت الجنة والنار، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة وبها تُؤخذ الكتب باليمين أو بالشمال، ويثقُل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار، وبها أخذ الله الميثاق على النبيين وغيرهم، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق، وهي كلمة الشهادة وكلمة التوحيد، ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه. حينئذٍ أراد أن يبيِّن هذا المشهود به وهو أن الرب جل وعلا هو المعبود بحق وأن ما سواه فعبادته باطلة، ولذلك قال: ومعناها أي هذه الكلمة وهي كلمة التوحيد، لأن الكلمة في لسان العرب في الأصل تطلق على الجملة أو الجمل المفيدة. هذا هو الأصل في لسان العرب، وأما استعمالها في نحو زيد وإلى وقام، هذا اصطلاح حادث عند النحاة، فهي حقيقة في الجملة مجاز في القول المفرد. على عكس ما يقوله النحاة، عند النحاة هناك يقولون: الكلمة حقيقة في القول المفرد مجاز في الجملة أو الجمل المفيدة. نقول: الصواب العكس. بل هي حقيقة في الجملة أو الجمل المفيدة ومجاز في القول المفرد التي قسَّموا الكلمة إليها، وهي: اسم، وفعل، وحرف. ومعناها لا عبود بحقٍّ إلا الله. معبود هذا من أين أخذه المصنف رحمه الله تعالى؟ أخذه من قوله: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ} إله لأن إله هذا فِعال مشتق من أَلِهَ يَاْلَهُ إِلاهة عبد يعبد عِبادة، لأن هذه المادة تدور على العبودية، والتأله في لسان العرب هو التعبد كما ذكرناه عن ابن القيم وغيره ولذلك قال الراجز:
لله در الغانيات المدَّهِ ... سبحن واسترجعن من تألهي
يعني من عبادتي وتعبدي وتنسكي.