فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 321

إذًا (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ) بمعنى الانقياد والخضوع والإذعان لله جل وعلا (بِالْتَّوْحِيدِ) - والتوحيد سيأتي تفسيره في كلام المصنف - (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ) والطاعة هذه المراد بها العبادة وقد تكون أمرًا وقد تكون نهيًا، فالطاعة في المأمورات تكون بالامتثال، والطاعة في المنهيات تكون بالاجتناب، حينئذٍ شمل الإسلام النوعين، الإسلام والإيمان بل والإحسان، لأن الغاية والمنتهى من هذه الأعمال أعمال الجوارح وأعمال القلوب هو الإحسان. بلوغ الغاية والمنتهى في أعمال القلوب هو الذي يُسمّى بالإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه. والغاية أو بلوغ المنتهى في إتقان - لأن الإحسان هو الإتقان - في إتقان أعمال الظاهر الجوارح هو داخل في مسمّى الإحسان وهنا أطلق، وإذا أطلق شمل الأنواع الثلاثة، (وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) . قلنا: هذا عطف خاص على عام، فإنه داخل في التوحيد، لأن التوحيد لا يتحقق إلا بـ (الْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) . ولذلك يأتي كثيرًا اقتران النهي عن الشرك بالأمر بعبادة الله جل وعلا {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] . ذكرنا فيما سبق أنه استدل بهذه الآية على أعظم ما أمر الله به وهو التوحيد، (وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ) وهو (الْشِّرْكُ) ، وقد جمعا في آية واحدة فدل على أن شرط صحة التوحيد هو اجتناب الشرك. إذًا هذه ثلاثة أركان وأسس لا بد منها في تحقيق الإسلام، والأول شامل للثاني والثالث، لو قيل: الاستسلام لله بالتوحيد، فقط صح التعريف، ولكن في مقام التوحيد لا بد من البيان وزيادة الإيضاح. فقوله: (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ) نقول: هذا من مستلزمات مقتضيات لا إله إلا الله، فإن لا إله إلا الله لا بد من عمل، فيمتثل حينئذٍ بمقتضى هذه الشهادة يمتثل ما أمر الله به ويجتنب ما نهى عنه، فحينئذٍ (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ) داخل في قوله: (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالْتَّوْحِيدِ) فيدل عليه إما ضمنًا، وإما استدلالًا، إما من جهة دلالة التضمن، وإما من جهة الاستلزام، لأنه إذا قيل: (لا إله) يعني لا معبود، وإذا كان لا معبود بمعنى لا يُتَّخذ معبودًا أو يستحق أن يكون معبودًا إلا الله فحينئذٍ لا يمكن أن توجد العبادة إلا بفعل فاعل، العبادة وصف للعمل، وكون الرب معبودًا هذا صفة للمعبود بحق وهو الرب سبحانه وتعالى، إذًا عبادة، ثم معبود، العبادة هذه من فعل من؟ المكلَّف وصف للعبد أنت عابد، أنت تعبد الله، والله معبود، الله تَعَبَّدَكَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإذًا لا بد من طاعة، وهذه الطاعة تكون من مقتضيات لا إله إلا الله.

نخلص من هذا أن الأساس الثاني وهو قوله: (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ) داخل في قوله: (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالْتَّوْحِيدِ) ، وكذلك (وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) كما سبق.

ثم قسَّم الإسلام هذا إلى مراتب ثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث لها أركان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت