هذه أربعة أنواع، نقول: الثالث والرابع هو الذي يعتبر صرفه لغير الله شركًا، أما الرابع فهذا واضح بيِّن، وأما الثالث فهو خوف العبادة، صرفه لله جل وعلا الذي يبعث على فعل الطاعة وترك المعصية، حينئذ يُعتبر عبادة، وصرفه لغير الله شركًا. والخوف من الله تعالى قد يكون محمودًا، قد يكون غير محمود، فالمحمود ما حجزك عن محارم الله - كما قال ابن تيمية رحمه الله: ما حجزك عن محارم الله يكون محمودًا، يعني يحملك على فعل الواجبات وترك المحرمات. فإذا حصلت هذه الغاية، سكن القلب، واطمئنان، وغلب عليه الفرح بنعمة الله والرجاء لثوابه. وأما غير المحمود فهو ما يَحمل العبد على اليأس من روح الله، والقنوط، وحينئذ يتحسر العبد وينكمش، وربما يتمادى في المعصية لقوة يأسه.
ما الدليل على أن الخوف يكون عبادة؟ قال تعالى: ( {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) .
ما وجه الاستدلال؟
إذا وُجد أمر تعلق به مباشرة، إذا وُجِدَ أمر لقول أو فعل مباشرة قل: هذه عبادة، ( {وَخَافُونِ} ) إذًا أَمَرَ بالخوف، وهو أَمْر إيجاب، يؤكده أنه جعله شرطًا لصحة الإيمان، فثبوته ثبوت للإيمان مع بقية شروطه وأركانه. انتفاؤه انتفاء للإيمان ولو وُجِدَ سائر الشروط والأركان.
( {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} ) (لا) نقول: هذه نهي، فهو محرم، ( {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} ) ، {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} يعني يخوفكم أولياءه، حُذِفَ المفعول الأول، يخوف أولياءه ( {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} ) يعني لا تخافوا أولياء الشيطان، ( {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} ) نَهْيٌ عن الخوف من أولياء الشيطان. وأمر، نهى وأمر، نهى عن الخوف من أولياء الشيطان من الجنّ والإنس. ( {وَخَافُونِ} ) أمر بالخوف منه، ثم أكده وبيّن حقيقته بأن علق عليه صحة الإيمان فقال: ( {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) . فإن وقع الخوف فقد سُلبتم الإيمان، فهو شرط لصحة الإيمان.
إذًا جعل الإيمان مشروطًا بالخوف لقوله: ( {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) . ففيه دليل على أن الله تعالى يُفْرَدُ بهذا النوع وهو خوف العبادة.
ففي الآية نهى عن الخوف من غير الله، وأمر بالخوف من الله. وحينئذ ثبتت العبادة لأنه إذا أمر فقد تحقق معنى العبادة فهو محبوب لله جل وعلا مرضي عنه.
إذًا نقول: متى يكون الخوف شركًا؟
نقول: يكون الخوف شركًا أن يخاف العبد من المخلوق ما لا يقدر عليه المخلوق. فهذا يعتبر شركًا أكبر سواء كان حيًّا أو ميتًا، مثل أن تخاف منه أن يصيبك بأمراض وليس واسطة في ذلك، أو أن يقطع نسلك، فهذا لا يقدر عليه إلا الله. كذلك الخوف من الجمادات، والخوف من الأموات مطلقًا أن يصيبه بمكروه ولو كان حيًّا لاستطاعه، لأن الميت ميت كاسمه. حينئذ يُنفى عنه ما لا يقدر عليه لو كان حيًّا، وما يقدر عليه ولو كان حيًّا.
لأنه لو قال قائل: الحيّ قد أقول له: اسقني ماء وهو أمامي فيستطيع، والميت لو كان حيًّا فقلت له: اسقني ماء لاستطاع، أليس كذلك؟ قد يَرِد هذا، نقول: لا، الميت يُنفى عنه ما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه، فلا اعتبار لحياته.