إذ انعقد سببه حينئذٍ نقول: لا يلام عليه. وأما إذا توهم وأصابه وسواس في الأسباب توهم أن ذاك أسد وهو ليس بأسد ما عنده قرينة، فخاف نقول: هذا مذموم لأنه جبن، ولا يليق بالمؤمن.
إذًا لا يُلام عليه العبد، لماذا؟ وذلك إذا انعقد سببه، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا} [القصص: 18] هذا حال لموسى إذًا وصف موسى بالخوف، نقول: هذا انعقد سببه وهو خوف طبيعي لا يلام عليه العبد ولو كان نبيًّا مرسلًا ولو كان من أولي العزم كموسى عليه السلام. واضح هذا؟ نقول: هذا خوف طبيعي، ليس بعبادة، ولا ينافي الإيمان.
النوع الثاني: خوف محرم، وهو الخوف المقعد عن الطاعة والحامل على المعصية، يعني ما كان سببًا - كما قال الشيخ هنا - ما كان سببًا لترك واجب، أو فعل محرم. الخوف إذا أدّى إلى ترك واجب أو فعل محرم، نقول: هذا خوف محرم، لا يصل إلى حد الشرك، كان محرمًا لكن لا يخرج صاحبه عن الإسلام، لماذا؟ لأن ما كان سببًا لترك واجب أو فعل محرم فهو حرام، من باب تحريم الوسائل، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. ودليله (قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) هذا لا أدري لِمَ ذكره الشيخ هنا رحمه الله، هذا ليس في محله.
النوع الثالث: خوف العبادة، يعني خوف التعبد والتأله الذي يحمل العبد على الطاعة، والبعد عن المعصية، وهذا خاص بالله. وهو الخوف الذي يعتبر عبادة، فصرفه لغير الله يعتبر شرك أكبر. خوف العبادة والتذلل والخضوع: أن يخاف أحدًا يتعبد بالخوف له، فيدعوه الخوف لطاعته، نقول: هذا أكبر إذا صرفه لغير الله جل وع فهذا لا يكون إلا لله تعالى، وصرفه لغير الله تعالى شرك أكبر.
النوع الرابع: خوف السر، وهو الخوف من غير الله من صاحب قبر أو وليّ من الأولياء بعيدًا عنه أن يصيبه بمكروه. هذا خوف عُبَّاد القبور إلى يومنا هذا والمتعلقين بالأولياء، قال الله تعالى عن قوم هود: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] . هم يعتقدون أنها يُخاف منها، ولذلك قالوا: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ} يعني أصابك {بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} لأنك سببتها، ودعوت إلى نبذها وطرحها. فاعتقدوا أن ما أصابه، مما يتوهمون أنه أصابه بسبب آلهتهم، هذا يسمى خوف السر، كأن يخاف صاحب القبر، أو وليًّا بعيدًا عنه، لا يؤثر فيه، لكنه يخافه مخافة سر، فهذا أيضًا من الشرك أكبر.