( {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) قلنا: نكرة في سياق النفي فحينئذ تعم، لا تدعوا ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولا إنسانًا، ولا حجرًا، ولا شجرًا، ولا شيطانًا، ولا جنيًّا، كل هؤلاء الذين يمكن أن يُتعلق بهم، وتصرف لهم أنواع، أو شيء من العبادة، جاء النهي بأن يصرف لهم مهما كان ذلك المصروف له.
( {فَلَا تَدْعُوا} ) هذا فعل، وفيه مصدر، والمصدر نكرة، فسُلِّطَ عليه النهي فحينئذٍ يعم، (فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ) هذا تفسير لما تضمنته الآية، وبيان حكم دلت عليه الآية.
(فَمَنْ) هذه شرطية، وهي عامة، أليس كذلك؟ وهي من صيغ العموم تفيد العموم. حينئذ صار العموم في الأشخاص، فمن صرف فمن توجه، فمن صرف أيِّ شخصٍ من الأشخاص سواء كان مسلمًا في الأصل، أو كافرًا، رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا، عاقلًا أو مجنونًا فحكمة أنه مشرك كافر، لكن يُستثنى الصغير للحديث، والمجنون كذلك لرفع القلم عنهما، فمن صرف أي توجه (مِنْهَا) أي من أنواع العبادة شيئًا وإن قل، لأن العبادات لا يفرق فيها بين القليل والكثير، العبادات كل عبادة إذا ثبتت فحينئذٍ نقول: لا يجوز صرفها لغير الله، لا يشترط أن تصرف كل العبادة لغير الله حتى يثبت الشرك، لا، وإن قل من أنواع العبادات، وإن قل من أنواع الصلوات. حينئذٍ نقول: يثبت الشرك ولو كان المصروف شيئًا قليلًا من العبادات.
(مِنْهَا) أي من أنواع العبادات شيئًا وإن قل (لِغَيْرِ اللَّهِ) أيًّا كان ذلك الغير، (فَهُوَ) الفاء واقعة في جواب الشرط، (فَهُوَ) أي الذي صرف وتوجه بشيء من أنواع العبادة لغير الله، هذا الفعل شرك وفاعله (مُشْرِكٌ) ، فرق بين الشرك والمشرك، أليس كذلك؟ الشرك وصف فإن تلبس به حينئذٍ وقع عليه، فنقول: هو مشرك، لماذا؟ لأنه فعل الشرك.
إذًا فهو أي الذي صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله وذلك شرك فإن فعله فهو مشرك لأنه أشرك مع الله غيره، (كَافِرٌ) لأنه جحد حق لله تعالى فصرفه لغيره.
هنا جمع المصنف رحمه الله بين المشرك والكافر، بناءً على أن كل مشرك كافر ولا عكس، وهذا المشهور عند أئمة الدعوة.
(وَالَّدلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى) ، (وَالَّدلِيلُ) على ماذا؟ على الحكم الأخير، لأنه لما ذكر لنا العبادات، ذكر حكم من صرف شيئًا منها لغير الله فحكمه مشرك، كافر. ما الدليل على هذا؟ قال: (قَوْلُهُ تَعَالَى:) إذًا الدليل على أن من دعا غير الله، أو صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو مشرك كافر هذه الآية التي سيتلوها المصنف رحمه الله ( {وَمَن يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] ) .