( {وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ} داخل في قوله:( {قَوْمًا} ) لكن من جهة المفهوم لا من جهة المنطوق، ولذلك احتاج إلى التنصيص فيه. ولذلك آيات التوحيد وكلام أهل العلم في التوحيد يكون من أوضح الواضحات، هذا هو الأصل أن يكون من أوضح الواضحات، ولذلك نص ابن القيم رحمه الله أن آيات الصفات ليست من قبيل المحكم فحسب بل من أحكم المحكم، لأن البعض يرى أنها من المتشابهات كما هو قول الأشاعرة ونحوهم، نقول: لا، ليست من قبيل المتشابهات وإنما هي من المحكمات، بل من أحكم المحكمات واضحة وبينة، لذلك لم يتنازع أحد من الصحابة في مفهوم آية واحدة، يسمعون {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} [البقرة: 224] فأثبتوا صفة السمع، والله سميع بصير لم يختلفوا أليس كذلك؟ دل على ماذا؟ على أن فهومهم متحدة متفقة، وهذا يدل على أن الظاهر هو المراد.
( {قَوْمًا} ) عرفنا أنه نكرة في سياق النفي فتعمّ الأقربين والأبعدين.
( {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ) هذا من صفتهم، من أتى بالإيمان وهو: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان. ومن الإيمان: الإيمان باليوم الآخر ولكنه نص عليه لأهميته، ولأن آثاره التي تكون في ترتب ترك الأعمال الظاهرة واضحة من هذا الركن، والركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر. له آثار ينزجر العبد إذا سمع الإيمان باليوم الآخر، فيتذكر أنه لم يخلق في هذه الدنيا عبثًا وأنه سيبعث ويحاسب إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، ولذلك يذكر مقرونًا بالإيمان لأنه داع وزاجر، داعٍ إلى فعل المأمورات، وزاجر عن ترك المنهيات، وإلا يرد السؤال: ( {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ) أليس الإيمان باليوم الآخر داخلًا في مفهوم يؤمنون بالله؟ نقول: بلى، هو داخل، ولكنه لما له من أثر في النفس، يُقرن به في المسائل العظام التي تحتاج إلى زاجر ينزجر بها العبد عن الكف عن المحرمات.
إذًا صفاتهم ( {قَوْمًا} ) صفاتهم ( {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ} لا تجدهم يا محمد( {يُوَادُّونَ} ) أي يحبون ويصادقون ويتابعون ويوافقون ( {مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ) وهم من عادى الله ورسوله، وهم الكافرون وشاقُّوا الله ورسوله، وخالفوا أمرهما ( {وَلَوْ كَانُوا} ) الذين حادوا الله ورسوله، ( {آبَاءهُمْ} ) ، ( {وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ} ) قلنا: هذا داخل في قوله: ( {قَوْمًا} ) . ولكن نص عليه الرب جل وعلا ليكون الدليل أوضح في نفي الموادة عن المشرك، ولو كان هذا المشرك أباك، قال: ( {وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ} ) هذه إشارة إلى الأصول وهم آباؤهم وإن علوا، ( {أَوْ أَبْنَاءهُمْ} ) هذا إشارة إلى الفروع وإن نزلوا، ( {أَوْ إِخْوَانَهُمْ} ) وهذا المقصود به إشارة إلى الأعوان لأن النصرة تحصل بالأعوان، ( {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} ) والعشيرة هم أقاربه الذين يَتَكَثَّرُ بهم. إذًا
( {وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} ) ولو كان أقرب قريب، عَبَّر المصنف رحمه الله عن هذا المدلول بقوله: (وَلَوْ كَانَ أَقُرَبَ قَرِيبٍ) .