لأننا إذا قررنا القاعدة أن المشركين الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ليس المراد به على وجه الكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم به تقرير ما ثبت في القرآن، كل الذي صرحوا به في القرآن نقول: هم يقرون به، وما عدا ذلك فينظر فيه بحسب حالهم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من إقرارهم بالخالق والرازق والمدبر، فهذه من صفات الربوبية، [وقد آمن به المشركون] [1] وقد آمن بها المشركون، ثم هذا ليس بحكم مطرد على جميع المشركين، هل كل المشركين أقروا بتوحيد الربوبية؟
الجواب: لا، بل بعضهم قد أشرك أيضًا في توحيد الربوبية، ولذلك هي متلازمة من أشرك في واحد منها قد أشرك في الثاني، وإنما هذا يُبَيَّنُ فقط على جهة الإيضاح والتعليم، وإلا فمن أشرك في واحد منها نقول: قد أشرك في الثاني.
ثم هذا ليس بحكم مطرد على جميع المشركين، إذ وُجِدَ منهم من أشرك في الربوبية، ومنهم من فَرَّق بين خصائص الربوبية فآمن ببعضها وكفر ببعض.
إذا علمنا ذلك أنهم مقرون في الجملة بتوحيد الربوبية حينئذٍ هل أدخلهم في الإسلام؟
الجواب: لا، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ، {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: 31] آمنوا بهذا كله، ومع ذلك حكم الرب جل وعلا بكونهم مشركين، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم، دلَّ هذا على أن اعتقادهم أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله لم يدخلهم في التوحيد الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو كانوا مسلمين بهذا الإقرار لما حُكِمَ بشركهم أولًا، ولما قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذًا (وأنه) أي: أن الحال والشأن. أو أنه توحيد الربوبية يحتمل هذا وذاك، (لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) لأنه دعاهم إلى ماذا؟ إلى إفراد الله تعالى بالعبادة كما قدم به المصنف هذه الرسالة، وهذا هو التوحيد الذي دعاهم إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا شيء مغاير للإقرار بكون الرب جل وعلا خالقًا رازقًا .. إلى آخر مفردات الربوبية. إذ (لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) حينئذٍ نأخذ من هذا أن توحيد الربوبية والإقرار به أنه ليس هو التوحيد الذي جاء به الرسل، فليس الصراع بين الرسل وأقوامهم في إفراد الله تعالى بالخلق، لا، ولا في إفراده بالرزق ونحو ذلك، وإنما الصرع في كونهم يجب عليهم أن يفردوا الله تعالى بالعبادة. إذًا دعوة الناس إلى توحيد الربوبية وجعله أصلًا وهو الفارق بين المسلم وغيره نقول: هذا مخالف لدعوة المرسلين أجمعين، لماذا؟
(1) سبق.