فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 446

(فإذا تحققت أنهم) أي: المشركين. مشركي العرب الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليجدد لهم ما اندرس من ملة إبراهيم عليه السلام أنهم مقرون، مقرون جمع مقر وهو اسم فاعل من أَقَرَّ يُقِرُّ فَهُوَ مُقِرّ، والإقرار إثبات الشيء، وقد يكون ذلك إثباتًا بالقلب وإما باللسان وإما بهما، الإقرار قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بهما، والتوحيد لا يكفي فيه إقرار القلب دون اللسان، ولا إقرار اللسان دون القلب، بل لا بد من اجتماع النوعين، إقرارٌ باللسان وإقرارٌ بالقلب، ولذلك أجمع السلف على أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان.

والإقرار بالتوحيد وما يجري مجراه لا يغني باللسان ما لم يضامه الإقرار بالقلب، ما لم يضامه يعني: يجتمع معه الإقرار بالقلب، ويضاد الإقرار الإنكار، ضدّ الإقرار الإنكار يعني: قد يُنكر بقلبه وقد يُنكر بلسانه، ينكر بقلبه وينكر بلسانه، والذي يحرج من الملة واحد منهما لا يُشترط فيه الاثنان، يعني: إذا أنكر بلسانه ما كان معلومًا بالدين بالضرورة ولو لم ينكر بقلبه كفر، أو أنكر بقلبه ولو لم ينكر بلسانه كفر، ولذلك المنافقون بإجماع المسلمين أنهم يقولون بألسنتهم: لا إله إلا الله. وكانوا يصلون خلف أشرف إمام في الدنيا وهو: محمد - صلى الله عليه وسلم -. وكانوا يخرجون معه للجهاد في سبيل الله، بل ويتصدقون هل نفعهم هذا؟

ما نفعهم، أتوا بالإقرار الظاهر باللسان وفعلوا بالجوارح والأركان ولكنهم لما لم يقروا بقلوبهم وأنكروا دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقلوبهم لم ينفعهم، إذًا وجد الإقرار باللسان ولم يوجد الإقرار بالقلب، ولذلك أكذبهم الله تعالى في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] {وَمِنَ النَّاسِ} بعض الناس {يَقُولُ} بلسانه لأن القول إذا أطلق انصرف إلى القول باللسان ... {يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ} قال الله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} . لأن الإقرار باللسان لا يكفي حتى يجتمع معه الإقرار، بالقلب لا بد من اجتماعهما، لكن لا يُحْكَمُ بانتفاء الإقرار من القلب بالظَّنِّ والشك، يعني: لا بد من شيء بارز واضح بَيِّن. فإذا أظهر الإسلام حكمنا له بالإسلام الظاهر، إن وجد في ظاهره ما يقتضي كفره حينئذٍ علمنا أن باطنه لم يُقِر، وأما مجرد الظنون فلا يكفي، إذا تحققت أنهم مقرون بهذا يعني: بتوحيد الربوبية وهو: إفراد الله تعالى بأفعاله. وليس المراد من قول العلماء أن الكفار مشركي العرب مقرون بتوحيد الربوبية أنهم أتوا به على وجه الكمال، هذا لم يقل به أحد من أهل العلم، لأنه قد يرد نحن نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية وهذا حق، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد ... الربوبية، إذا أقروا بأفعاله جل وعلا ثم انتفى أن يعبدوا الله تعالى وحده وأن يكفروا بما يعبد من دون الله، فحينئذٍ هل يكون طعنًا في وجود توحيد الربوبية؟

الجواب: لا، لماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت