(فبعث الله) تعالى (محمدًا) وهو خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - (يجدد لهم دين) ، (يجدد) هذه لها مغزى وهو أنه قد وجد الدين ولكنه اندرست معالمه، فأراد الرب جل وعلا أن يرفع ما غُطِّيَ به ذلك الدين وأن يجدده على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -. الْجَدُّ قطع الأرض المستوية، وثوب جديد أصله المقطوع، ثم جُعِلَ لكل ما أحدث إنشاؤه، قال: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] . إشارة إلى النشأة الثانية وذلك قولهم: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] . وفيه أن مشركي العرب كانوا على أَثَرِ رسالة وأنهم لم يكونوا بلا رسول قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكره البعض أنه من أهل الفترة تقول: هذا فيه نظر مردود بما ذكرناه. (يجدد لهم دينهم) يعني ما أندرس من عقائد، والمراد بالدين هنا الإسلام العام الذي يجتمع فيه الرسل كلهم، وهو: عبادة الله تعالى بالإخلاص. ثَمَّ إسلام عام وإسلام خاص، الإسلام العام هو ما اشترك فيه كل الأنبياء وهو دعوة الرسل وهو التوحيد إفراد الله تعالى بالعبادة، وأما الإسلام الخاص فهو العقيدة والشرعية {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يعني: سنة وسبيلًا. فكل الفروع التي ينتسب إليها أو تُنْسَبُ إلى نبي فحينئذٍ نقول: هذا من الإسلام الخاص، وأما ما اشترك فيه الأنبياء من التوحيد ونحو ذلك فهو إسلام عام. (يجدد لهم دينهم) أي: ما أندرس من عقائد (دين أبيهم) هذا بدل عطف بيان، (دين أبيهم إبراهيم) يعني: ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام. من قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] . أي: اتبع ملة إبراهيم حنيفًا. أُمِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يتبع ملة إبراهيم، وما هي ملة إبراهيم؟ قال: {حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . والحنيف هو: المائل عن الشرك إلى التوحيد الثابت عليه، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى أكده بقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26 - 28] هذا تفسير لـ لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله {إِنَّنِي بَرَاء} هذا فيه البراءة من كل الطواغيت كُفْرٌ بغير الله جل وعلا {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} خلقني فهو معبودي الذي أتوجه إليه بالعبادة، إذًا (دين أبيهم إبراهيم) لما ذكرناه (ويخبرهم أن هذا التقرب) إلى الأرواح والملائكة والأنبياء والرسل والصالحين، (والاعتقاد محض حق الله تعالى) والاعتقاد هذا افتعال من ماذا؟ افتعال من الْعَقْدِ، والعقد المراد به ربط الشيء، ولذلك سميت العقيدة عقيدة، عَقِيدَة فَعِيلَة بمعنى مَفْعُولَة مأخوذة من ربط الشيء بالشيء، لأنك إذا ربطت الحبل بعضه ببعض شددته، حينئذٍ العقيدة لا بد فيها من الجزم.