ومن حيث الشرع فنقول: الاعتقاد في الشريعة الأصل المراد به اعتقاد أن الله واحد لا شريك، وهذا هو الذي عرفناه به التوحيد سابقًا، ولكن الاعتقاد هنا المراد اعتقاد المشركين في هذه الآلهة بأنها تنفع أو تضُرُّ. (ويخبرهم) النبي - صلى الله عليه وسلم - (أن هذا التقرب) إلى الأرواح (والاعتقاد) فيها أنها تنفع أو تضُرّ (محض حق الله) محض يعني: خالص حق الله تعالى (لا يصلح) هذا تفسير للمحض (لا يصلح منه شيء لغيره) جل وعلا (لا يصلح منه شيء) شيء هذه نكرة في سياق النفي فيعم، (لغيره) أيًّا كان هذا ذلك الغير (لا لملك مقرب) وهم أعظم المخلوقات العلوية، (ولا لنبي مرسل) وهم أعظم المخلوقات البشر السفلية، (فضلًا عن غيرهما) ، فحينئذٍ إذا لا يجوز إذا كان لا يجوز أن تصرف العبادة لملك مقرب عند الله جل وعلا فصرفها لشمس أو للقمر أو لليل أو النهار من باب أولى وأحرى، وإذا كان لا يجوز لنبي مرسل ولو كان محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فغيره كـ عبد القادر والحسين وغيرهم نقول: هذا من باب أولى وأحرى.
إذًا أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن التعلق بالمخلوقات الأصل فيه أن يكون لله جل وعلا، اعتقاد أنها تنفع أو تضُرُّ أو يُطْلَبُ منها الرزق أو النفع أو الضُّرّ هذا الأصل فيه أن يكون لله عز وجل.
إذًا (محض حق الله) أمران: اعتقاد، وتقرب.
الاعتقاد الأصل فيه أن يكون في القلب، والتقرب الأصل فيه أن يكون بالعمل كالذبح ونحوه.
فمن اعتقد ولم يتقرب يعني: اعتقد الشرك ولم يفعل الشرك، اعتقد في قلبه جواز أن يُذْبَحَ لغير الله لكنه لم يفعل ما حكمه؟
نقول: هذا مشرك لوجود الاعتقاد ولو لم يتقرب.
إذًا جمعه بين الاثنين لهذا التقرب والاعتقاد ليس له مفهوم بأنه لو اعتقد دون تقرب لا ينفى عنه الشرك، بل هو شرك، فمن اعتقد ولم يتقرب أي: اعتقد الشرك ولم يفعله فإنه مشرك كالفاعل، لأن هذا الاعتقاد النفع والضر لله وحده لا يعتقد في أحد أنه يملك من الأمر شيئًا البتة، ولو كان ملكًا مقربًا من الله عز وجل أو كان نبيًّا مرسلًا ولو كان محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم.
(وإلا فهؤلاء المشركون) ، (وإلا) هذه أصلها إلا لكن المصنف رحمه الله تعالى لم يرد ظاهرها كأنه أراد أن يثبت بها أن يجعلها للإثبات (وإلا) كأننا نثبت أن هؤلاء المشركون مع اعتقادهم في الوسائط السابق أن ينقلنا إلى شيء آخر أولًا أثبت أنهم يتعبدون لله جل وعلا، ثم بَيَّنَ أن هذه العبادة ليست لله وحده وإنما تصرف للوسائط، ثم انتقل إلى مسألة مهمة وهي أن هؤلاء مع كونهم يتعبدون ويعتقدون أن هذه الوسائط ليست مستقلة في الخلق ولا في الرزق ولا في نحو ذلك، وإنما توجهوا إليه لكونها وسيلة لإيصال تلك الطَّلبات والطُّلبات إلى الرب جل وعلا حينئذٍ هل هم مقرون بتوحيد الربوبية مع ذلك أو لا؟