صار تفسير الواسطة والوسيط بين الله عز وجل وبين المشركين الذين اتخذوا هؤلاء الوسائط، يُفَسَّرُ بسبب واحد وهو أنهم ما أرادوا إلا الشفاعة والقربى فحينئذٍ يكون الشفاعة بمعنى القربى، والقربى تكون بمعنى الشفاعة، وكذلك قوله: (ونريد شفاعتهم) . ودليله قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [يونس: 18] . هذا مُسَلَّمٌ عندهم يعني هم يقرون بأنهم عبدوا هذه الأصنام وهذه الأصنام من صفاتها اللازمة أنها لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا وهذا أمر عجيب ويستغرب منه أنهم يقرون بأن هذه المعبودات لا تملك لهم نفعًا ولا تدفع عنهم ضُرًّا ثم بعد ذلك تصرف لهم أنواع من العبادات بحجة الوساطة ونحوها، {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ} هؤلاء من؟ المعبودات من دونه {شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} أي: وسطاؤنا عند الله في قضاء حوائجهم يطلبون لنا ما نريد، يعني: نحن نطلب منهم وهم لوجهتهم وجاههم عند الله تعالى وقربهم منه يطلبون لنا من الله تعالى، فيلبي الرب جل وعلا لنا نحن طِلْبَاتنا بسبب ماذا؟ بسبب شفاعة هؤلاء المعبودات، أي: وسطاؤنا عند الله في قضاء حوائجهم يطلبون لنا ما نريد، والله لا يردهم لأنهم مقربون عنده، فهو قياس الخالق على المخلوق.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم {مِنْ دُونِ اللَّهِ} الذي لا يضرهم شيئًا ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وهم يقرون بهذا، وذلك هو الآلة والأصنام التي كانوا يعبدونها ويقولون - إذا قيل لهم ذلك إذا كانت لا تملك لكم نفعًا ولا ضرًّا - قالوا مجيبين: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} . يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله.
ويقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظَانِّين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله فأخبر تعالى أنها لا تضر، ولا تنفع، ولا تملك شيئًا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدًا، وهذه هي الشفاعة المنفية التي جاء نفيها في الكتاب والسنة. إذًا جعلوا مع عبادتهم وتعبدهم لله بأنواع العبادات التي سبق ذكرها جعلوا وسائط بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله عز وجل، تفسير هذه الوسائط قالوا: نريد منهم التقرب إلى الله. هذه المعبودات لماذا توجهتم إليها بهذه العبادات التي لا تصرف إلا لله سبحانه؟
قالوا: نريد التقرب ونريد شفاعتهم عنده.