والشفاعة اسم من شَفَعَ يَشْفَعُ إذا جعل الشيء اثنين، قال الراغب: والشفع ضم الشيء إلى مثله والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما تستمع في انضمام ما هو أعلى حرمةً ومرتبةً إلى من هو أدنى، من هو أعلى حرمة ومنزلة ومكانة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة يوم القيامة، واصطلاحًا الشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعةً أو دفع مضرة، توسط للغير أن تجعل واسطة بينك وبين ذلك الغير ليجلب نفعًا منه، أو يدفع عنك ضُرًّا بسببه، وهذا هو حقيقة الشفاعة وهي واردة شرعًا وهي منفية ومثبتة، جلب المنفعة كشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الجنة بدخولها، ودفع المضرة كشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن استحق النار أن لا يدخلها، إذًا ذكر لنا سببين لماذا جعلوا هذه الوساطة؟ وكيف جعلوها؟
قالوا: نريد منهم التقرب إلى الله تعالى. أن يقربونا إلى الله يعني: منزلة والحظوة والمكانة، وأن يجعلوا لنا مكانة عند الله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] {مَا نَعْبُدُهُمْ} يعني: قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ} . ما نافية وإلا هذه مُثْبِتَة، إذًا هذا حصر بل من أعلى درجات وصيغ الحصر، كأنهم حصروا هذه العبادة في كونهم طلبوا منهم الزلفى، وعرفنا الزلفى المراد بها القربة.
قال الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الزمر: 3] . يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة، أيها الملائكة، أيها الأنبياء والرسل والصالحون، لماذا توجهنا إليكم بالعبادة ما نعبدكم إلا لتقربوننا إلى الله زلفى، أي: قربة ومنزلة وتشفعوا لنا عنده في حاجتنا. وهذا قياس الخالق على المخلوق جل وعلا.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ثم أخبر عز وجل عن عُبَّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} . أي: إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، إذًا ما أرادوا منهم النصر مباشرةً واستقلالًا، وما أرادوا من هذه المعبودات الرزق استقلالًا، وإنما أرادوا النصر من عند الله، وأرادوا الرزق من عند الله، وأرادوا النفع ودفع الضر من عند الله جل وعلا لكنهم لم يطلبوا ذلك مباشرة من الرب سبحانه، وإنما جعلوا الملائكة ونحوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى.
قال قتادة والسُّدْي وزيد بن أسلم وابن زيد: {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة. فالقربة حينئذٍ تكون بمعنى الشفاعة وهذا هو الظاهر والله أعلم.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: والمراد بقولهم: {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين.
حينئذٍ صار ماذا؟