(يجعلون) يعني: مع تعبدهم. (ولكنهم يجعلون) يعني: لكنهم مع تعبدهم لله يعبدون الله تعالى ويعبدون هذه المعبودات يجعلون ويتخذون ويُسَيِّرُون (بعض المخلوقين وسائط بينهم) وسائط جمع وسيط، وهذه فسرها المصنف بقوله: (يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) . نريد التقرب ونريد الشفاعة عنده، لكن وساطة العرب - كما سبق معنا في شرح القواعد - أن الوسائط عند العرب بعضها مما يَعْقِل وبعضها مما لا يعقل، بعضها مما يَعْقِل كالأنبياء والملائكة، وبعضها مما لا يَعْقِل كالأصنام والأشجار والأحجار، وبعضها عُلْوُيّ وبعضها سُفْلِيّ، بعضها علوي كالشمس والقمر، وبعضها سفلي كالقبور والأنداد ونحو ذلك، أما عبادة الكواكب وادعاء أن أرواح الأرواح الطاهرة حلت فيها فهذا عُرِفَ في العرب ليس الأمر ولذلك فيما سبق قلنا: (لما غلوا في الصالحين) . هل هذا التعليل خاص ويُنْفَى عنه سواه، أم أنه أهم ما يُذكر في سبب وقوع الشرك؟ قلنا: الثاني أنه أهم ما يذكر في سبب وقوع الشرك، لكن ثَمَّ أسباب أُخَر، عبادة الكواكب هذه كانت في العرب وجاءت إلى العرب من الصائبة، وهم قوم إبراهيم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأصل هذا المذهب من مشركي الصائبة وهم قوم إبراهيم عليه السلام الذين ناظرهم في بطلان الشرك، ناظرهم وجادلهم وحاجهم في بطلان الشرك، وكَسَرَ حجتهم بعلمه، وآلتهم بيديه - لا بد من الجهادين باللسان والسنان - فطلبوا تحريقه وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتى فمنهم عباد الشمس - إذًا عباد الشمس من عباد الكواكب اعتقدوا أن الملائكة أو بعض الملائكة قد حلت روحها في هذه الشمس وإلا لا يتوجهون إلى ذات الشمس والشمس ليست مقصودة لذاتها عندهم، ولا الكوكب، ولا الصنم كل المعبودات التي صُرِفَتْ إليها أنواع من العبادة ليس المراد ذواتها وإنما المراد ما حل فيها، ولذلك قال هناك منهم عباد الشمس زعموا أنها ملك من الملائكة، كيف عباد الشمس وزعموا أنها ملك من الملائكة، هذا يدل على أنهم اعتقدوا أن روح الملك قد حل في الشمس، وحينئذٍ صار ماذا؟ صار مباركًا، زعموا أنها مَلَك من الملائكة لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم والسجود والدعاء ولذلك جاء قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ} [فصلت: 37] . هذا جاء أين؟ جاء مخاطبًا به بعض العرب فدل على أن هذه المعبودات الشمس والقمر {وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ} لا يُنْهَى عن شيء إلا وقد وقع وحصل، فدل على أن بعض العرب [ليسوا] [1]
(1) سبق ..