الثاني وليس الأول، إذًا فهم يعتقدون أنها لا تملك الرزق لما سيأتي: ... {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [يونس: 31] . وإنما صاروا مشركين لأنهم جعلوا تلك الآلهة وسائط في جلب الرزق، فحينئذٍ يتعين أن نَعْرِفَ عقيدة المشركين في أنهم لا يدعون الربوبية بجميع خصائصها في تلك المعبودات، وإنما يعتقدون أن الله تعالى هو المتصرف الواحد، يعني: لا يَشْرَكَهُ أحد في خلقه ولا في رَزْقِه ولا في كونه مُحْيِيًا مُمِيتًا ولا في كونه يملك النفع والضُّرّ كلهم يقرون بهذا، ثم يعبدون الله تعالى ويتوجهون إليه بصنوفهم من العبادات، لكن أرادوا أو قاسوا - وهذا هو علة الشرك عندهم - قاسوا الخالق على المخلوق، وشبهوا المخلوق بالخالق، قالوا: الله عظيم وهو ملك جل وعلا - وهو كذلك - فحينئذٍ قالوا: الملوك ملوك الدنيا إذا أردنا منهم شيء وأردنا منهم ما يمكن أن نطلبه من النفع والضًّرّ لا بد من ماذا؟ لا بد من شفيع، ولا بد من واسطة، ولا بد ممن يتوسط لنا عندهم، فقاسوا الخالق جل وعلا على ذلك المخلوق الضعيف، فقالوا: إذًا الرب سبحانه لن ننال ما عنده إلا بواسطة وهذه الواسطة هي أرواح الملائكة وأرواح الأنبياء وأرواح الصالحين، فطلبوا هذه الأرواح وتوسطوا بها، لا لم يسألوها أن ترزقهم هي بنفسها، وإنما أرادوا أن يتوسطوا ويرفعوا حوائجهم إلى الله تعالى لأنهم لهم وجاهًا ولأن لهم صلاحًا ولأن لهم جاهًا عند الرب جل وعلا، فهذا من باب قياس الخالق على المخلوق.
إذًا هذا الذي سيذكره المصنف رحمه الله تعالى ليبين لنا أن شرك المشركين الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكَفَّرَهُمْ وحكم بأنهم مشركون وقاتلهم إنما هم موحدون في توحيد الربوبية وصرف العبادة إنما جعل على جهة التوسط بهذه المعبودات إلى الله تعالى لترفع لهم حوائجهم.