قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنما ذُمُّوا بأن شَرَّكُوا الله وبين أندادهم في المحبة. فإذًا اختار القول الثاني، إنما ذُمُّوا بأن شركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوا لله كمحبة المؤمنين لهم كما يحب المؤمنون الله تعالى محبة خالصة هم أحبوا الله وأحبوا المعبودات فلم يخلصوا لله تعالى المحبة كإخلاص المؤمنين لله سبحانه وتعالى، هذا ما يتعلق بالعبادات القلبية وهي أساس وينطلق منها التوحيد، ولذلك أعظم شروط التوحيد الإخلاص، والصدق، واليقين. وهذه كلها محلها القلب والعمل الظاهر لازم لها، ومن العبادات العملية الحج إذًا قوله: (يتعبدون) . هذا عام يشمل كل عبادة، وحينئذٍ عطف ما بعده عليه يكون من عطف الخاص على العام، وبعض الشراح فسَّر (يتعبدون) بمعنى يصومون، ولكن هذا يحتاج إلى دليل.
ومن العبادات العملية الحج قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] . قريش، وفي حديث ابن عباس فيما رواه مسلم رضي الله تعالى عنهما قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. عندهم تلبية ولكن هذه التلبية فيها شرك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت، إذًا عندهم طواف يعبدون الله تعالى بالطواف.
قال هنا: (ويحجون ويتصدقون) . والصدقة بذل المال، وإما أن يكون هذا المال بالنقد وإما أن يكون بالعتاق ونحوه، جاء في حديث حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية - والتحنث هذا أيضًا يعتبر عندهم من العبادات وهو التعبد، يعني: يخلو به بنفسه مع ربه جل وعلا، ولذلك جاء في حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتحنث، وهو التعبد - أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة ومن صلة رحم - إذًا يتعبدون بماذا؟ بصلة الرحم والعتق والصدقة - فهل فيها من أجر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف من خير» . إذًا سأل عن شيء وقع منه في الجاهلية حكيم بن حزام ووقع منه الصدقة بالمال ووقع منه وحصل أنه تعبد بالعتق وبصلة الرحم، إذًا هذا عهد قريب أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف يقال بأنه أهل فترة (ويذكرون الله) هذا عام وفي بعض النسخ ... (كثيرًا) ، (ويذكرون الله) مطلقًا أو أنهم في حال دون حال، ذكر النص القرآني أنهم في حال دون حال {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أليس كذلك؟ {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ... [العنكبوت: 65] فدل هذا النص على أن قوله: (ويذكرون الله) . إنما هو في حال دون حال، يعني: في حال الشدة يذكرونه فقط وأما في حال الرخاء فإذا هم يعودون على شركهم قبل الشدة.
وكذلك كما سبق الطواف، ومنه: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] . هنا أسند الصلاة إلى من؟ إلى المشركين {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} يعني: تصفيق وصفير. فالصلاة هنا تفسر بماذا؟ لأنه قال: {عِنْدَ الْبَيْتِ} . عند البيت تفسر بالطواف وهذا نص عليه ابن عباس في الحديث الذي رواه مسلم.