فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 446

على محاربة عبادة الأوثان، لأنهم جاءوا بالتوحيد، ولذلك أراد أن يفصل ويمثل لنا بأول رسول وخاتم رسول، ليبين مدار هذه الدعوة ومدى كونهم يدعون إلى عبادة الله وحده دون ما سواه، (فأولهم) الفاء للتفصيل، والأول نقيض الآخر والآخر نقيض الأول نقيضان، نقيض الأول يعني: الذي لم يسبقه شيء، والأول في لسان العرب هو الذي يترتب عليه غيره، وَنُوحٌ هكذا بالصرف وإن كان أعجميًا لعدم الشرط الثاني من المنع من الصرف وهو كونه أدنى من أربعة أحرف، ويشترط في الممنوع من الصرف إذا كان علمًا أعجميًا أن يكون أربعة أحرف فأكثر، فإن كان ثلاثيًّا فإن كان متحرك الوسط أُلحق بالرباعي لأن هذا الحرف الوسط الذي حُرِّكَ قالوا: هذه الحركة قامت مقام حرف فكأن الكلمة على أربعة أحرف فالتحقت بالرباعي، وأما الساكن فهو ساكن ضعيف فحينئذٍ رجع إلى أصل الأسماء وهو الصرف والإعراب، فقيل: نوحٌ. قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] . بالنصب والتنوين ولو كان ممنوعًا من الصرف لقال: نوحَ وقال لوطَ. فدل على أنها معربة وليست ممنوعة من الصرف، والنَّوْح مصدر نَاحَ أي: صاح بعويل. يقال: نَاحَت الحمامة نوحًا. إذا صاحت قيل: سمي نوحٌ نوحًا لماذا؟ لأنه صاح على قومه ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، (فأولهم نوح) إذًا أول الرسل نوح عليه السلام هل قبله أحد؟ هل قبله أحد من الرسل؟

هل القول بأن نوح عليه السلام هو أول الرسل أمر متفق عليه أم ثَمَّ خلاف؟

لا، المشهور عند أهل العلم أن نوحًا عليه السلام هو أول الرسل، وأما قبله قيل: آدم وولده ولده الصلب شيث وإدريس. هذا المشهور عند جماهير أهل العلم أن قبل نوح ثلاثة آدم وشيث وهو ولده، وإدريس، وآدم هل هو نبي أم رسول؟ محل خلاف وشيث نبي محل وفاق، وإدريس هذا محل خلاف وهل هو من أجداد نوح أم لا؟ هذا محل خلاف، والجمهور على أنه من أجداد نوح عليه السلام فهو قبله ولكن الظاهر وهو أعلم أنه رسول وإذا كان كذلك فكل دليل يدل على أن أول الرسل نوح عليه السلام فهو راد لهذا القول، وقد ضعفه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه على الواسطية بأن إدريس قبل نوح قال: وإن اشتهر عند المؤرخين وبعض المفسرين إلا أنه قول ضعيف ترده أدلة الكتاب والسنة.

إذًا هل نوح أول الرسل أو قبله أحد؟ نقول: الصواب أن نوحًا عليه السلام هو أول الرسل، هذا هو الصحيح، والدليل على ذلك من الكتاب واتلسنة أما الكتاب فقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} وحيًا كما أوحينا كـ إيحاءنا ما ودخلت عليه في تأويل المصدر، وهو صفة لمصدر محذوف {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} وحيًا كـ إيحاءنا إلى نوح عليه السلام ومن بعده، قال: {وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} . ومَنْ قبل نوح ليس بعده أليس كذلك؟ {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} هذا في مقام المدح والثناء والمنة فلو كان ثَمَّ من هو قبل نوح من الرسل لذكره الله عز وجل، ولما قال: {وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} . من أوحي إليهم قبل نوح بعده أو قبله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت