فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 446

هذا لو قيل له اعتقد وإلا قتلناك، أما الإكراه على العمل كان يكره أن يسجد لغير الله، فهذا جائز بالشروط السابقة ما هو يقول له: اسجد لغير الله وإلا سجناك يوم أو ضربناك بمسواك ونحو ذلك فيقبل، لا، لا يقبل ... منه، لا بد أن يكون الإكراه شديدًا بحيث يتضرر منه باسمه ونحو ذلك، أن يسجد لغير الله فهذا جائز إذا كان الإكراه ملجئًًا، وكذلك الإكراه على قول الكفر، وأما عمل القلب وقوله فلا يتصور فيه اكراه كأنه يقول: نقتلك وإلا تبغض الدين. لا يقبل منه، فيبغض الدين حينئذٍ انتفى عنده عمل القلب فكفر خرج من الملة، هل يعتذر بكونه مكره، قيل له وإلا قتلناك، نقول: لا، أكذب. قل: نعم أنا أبغض الدين. حينئذٍ يكون الإكراه على قول الكذب، فلا إكراه لأنه لا يتصور أن يكون له سلطان على القلب.

الثانية: الآية التي طلب المصنف أن نتأملها وقي التابعة للآية السابقة قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} [النحل: 107] انظر هذه قاعدة جامعة {ذَلِكَ} المشار إليه ما هو قيل الكفر وقيل العذاب، وكلام ابن كثير السابق يدل على أنه العذاب لأنهم {اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} هذا جامع لكل الأعذار السابقة، ولا يستثنى منه إلا المكره، وما عداه فحينئذٍ كفره لتقديم الحياة الدنيا استحبوها يعني أحبوها وتعلق بها وقدمه على الآخرة، فصرح الرَّب جل وعلا في هذه الآية أن العذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًّا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، لأنه كما سبق معنا أن الرب إذا علّق الحكم على شيء ولو حكمنا بكون الفاعلين كفار بشيءٍ آخر دل على أن المعلَّق عليه له أثر، ولذلك في الآية السابقة {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] قلنا: الاستهزاء هنا كفر، لماذا؟ لأنه هم كفار فكونه ترك التعليق على شيءٍ آخر ونص على هذا المذكور دل على أنه كفر بعينه، هنا قال: {ذَلِكَ} العذاب أو الكفر بأنهم بسببهم الباء سببية {بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} فعلق هنا على العذر وهو استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، فدخل في كل الأسباب، فصرح أن العذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، مع كون اعتقادهم كفرًا وهو مرتب عليه الغضب والعذاب، لكنه ما ذكره الرب جل وعلا، وإنما ذكر هذه العلة، وكذلك الجهل بالدين، هذا محل للغضب والعذاب، والبغض للدين، أو محبة الكافرين هذه كلها داخلة فيما ذكرناه، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت