(وتفيد أيضًا أن المسلم) المجتهد يعني: المتأول. المجتهد ليس الذي بلغ درجة الاجتهاد يعني: ليس المصطلح هنا اصطلاح أصولي وإنما المتأول، تفيد أيضًا أن المسلم المجتهد يعني: لا أنه من أهل الاجتهاد والعلماء فيُقصد به المعذور حتى يخرج غير المعذور، المتأول يعني: الذي تكلم بكلام هو كُفر لأن طلب الكفر في الأصل أنه كُفر هذا الأصل فيه، لكنه يعذر بذلك ... (وتفيد أيضًا أن المسلم) المجتهد المتأول الذي (إذا تكلم بكلام الكُفر وهو لا يدري فنبه على ذلك وتاب من ساعته، أنه لا يكفر) كما ذكرناه وحكينا عليه الإجماع أن طلب الكفر لا يخرج به المرء من الملة (كما فعل بنو إسرائيل) في قولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} . (والذين سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) (اجعل لنا ذات أنواط) حينئذٍ عُذروا بالجهل، وبعض المسائل قلنا: التي لا تنافي أصل التوحيد. حينئذٍ فيه تفصيل من جهة العذر بالجهل وعدمه، أما التي تنافي أصل التوحيد من أصله هذا نقول: لا يعذر بالجهل البتة. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:"لكن من الناس من يكون جاهلًا ببعض هذه الأحكام جهلًا يُعذر به". هذا تمام الكلام الذي ذكرناه بالأمس أن من جحد وجوب الصلاة ونحو ذلك أو المحرمات أو الفواحش فإنه يكفر هذا إذا كان يعيش في أوساط المسلمين، ثم قال بعد ذلك الكلام:"لكن من الناس من يكون جاهلًا ببعض هذه الأحكام جهلًا يُعذر به". يعني: تحريم الخمر، تحريم الزنا، والربا. ونحو ذلك أو وجوب الصلاة ووجوب الزكاة والصوم، قد يجهل بعض الناس جهلًا يعذر به فلا يحكم بكفر أحدٍ حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] . وهذا ليس مطلقًا في كلامه رحمه الله تعالى حتى في الشرك ونحوه، لا، لذلك المثال الذي مثَّل به يدل على هذا التفصيل، ولهذا قال رحمه الله: ولهذا لو أسلم رجل. ذكر صورة للحكم السابق:"لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه أو يعلم أن الخمر حرام لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية". بالمثال نعرف أن مقصوده ما يمكن خفاؤه على بعض الناس، وهذه المسائل التي هي يحكم على أصحابها بأنها كفر أكبر قلنا: يفصل فيها إن كان حديث عهد بكفر أو ببلاد نائية عن العلم والتعلم ونحو ذلك هذا معذور بالجهل، لكن ليس في مسائل الشرك الأكبر البتة، وليس فيما يناقض لا إله إلا الله من أصلها، وإنما فيما هو دون ذلك، وأما إذا كان يعيش في أوساط المسلمين والعلم ونحو ذلك وأمكنه العلم والتعلم لكنه ترك هذا يكون مُعْرِضًا فينزل عليه الحكم فيكفر ولا يعذر بجهله.