ثم قال الشيخ استطرادًا قال: (ولكن) . هذه القصة تفيد يعني: فيها فوائد. يعني: إذا قيل بأنهم لم يكفروا، ما فعلوا الكفر ما الفائدة من ذكرها؟ نقول: لا، فيها فوائد سواء كان قصة أصحاب موسى أو قصة ذات الأنواط، وأشار المصنف إلى قوله: (هذه القصة) . (هذه) يعني: المذكور من القصتين تفيد أن المسلم الذي ثبت إسلامه بقول: لا إله إلا الله. بل العالم من المسلمين - وليس هنا المراد العالم بالتوحيد - لأنه لو كان عالمًا بالتوحيد ووقع في الشرك حينئذٍ وقع الشرك عليه، إنما المراد به العالم بفن من الفنون لأنه هو الذي عناه المصنف في الردّ، وأكثر من اعترض على المصنف ليسوا هو علماء التوحيد، إنما هم المفسرون والمحدثون والفقهاء الذين ليس لهم نصيب من التوحيد. إذًا أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يَدري عنها، لأن أفراد التوحيد كثيرة ونواقضها مثلها، حينئذٍ قد يخفى عليه فرد من أفراد التوحيد، وقد يخفى عليه فرد من أفراد الشرك الأكبر أو الأصغر أو الخفي، حينئذٍ قد يجامع الإسلام الشرك، لكن بهذا القيد الذي ذكرناه أنه مما قد يخفى، أما الشرك الأكبر الذي يُنافي أصل الإسلام هذا لا، لا يمكن أن يقال به أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك دل على أنه يجتمع الجهل مع الشرك، ويسمى مشركًا جاهلًا، فكونه عالمًا وكونه مسلمًا لا ينفي وصف الشرك عنه (فتفيد التعلم والتحرز) تفيد يعني: هاتين القصتين، تفيد هاتان القصتان (التعلم) يعني: طلب العلم، تَفَعُّل من طلب العلم شيئًا فشيئًا، أما التعليم هذا في بعض النسخ وأكثر النسخ التَّعَلُّم التَّفَعُّل وهذا هو الظاهر أنها أولى (فتفيد التعلم) يعني: تعلم التوحيد. لأنه هو السبب الأعظم في النجاة في الدنيا والآخرة، لأن أفراد التوحيد الكثيرة (والتحرز) يقال: احترز من كذا أو تحرز منه يعني: توقاه. يتوقى ماذا؟ يتوقى الشرك أن يقع فيه، ولذلك لما وقع فيه أكابر علماء وإن لم يكونوا علماء توحيد وهم أذكياء ولهم شأنهم في سائر الفنون الشرعية، حينئذٍ [المسلم لا يخشى على] [1] المسلم قد يقع في ما وقع فيه أولئك الأكابر فيخشى على نفسه، هو يكفيه ما سبق معنا قول إبراهيم الخليل عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] . فدلّ على أن إبراهيم وهو إمام الحنفاء قد خَشِيَ على نفسه الوقوع في الشرك، (فتفيد التعلم والتحرز) يعني: من الشرك. تعلم لأفراد التوحيد وما يضاده من أصله أو ينافي كماله الواجب أو المستحب، وكذلك تعلم الشرك وصور الشرك الأكبر والأصغر لماذا؟ لأنه لو لم يتعلم هذه الأنواع التي هي مضادة للتوحيد إما من أصلها أو كماله الواجب حينئذٍ لا يسلم من الوقوع في شيء منها، لأنه لا يدري، وإذا لا يدري حينئذٍ قد يقع ويتلبس بذلك النوع الذي يجهله.
(1) سبق.