إذًا هذا محل إجماع ورد لهم في شبهتهم في أصلها، أرادوا بهذه القصة أن يستدلوا على أنهم قالوا: لا إله إلا الله. فمنعت لا إله إلا الله من تكفيره، نعكس عليهم القضية فنقول: أجمع العلماء على أنهم لو فعلوا ما طلبوه لكفروا وهذا بإجماع مع قولهم: لا إله إلا الله. إذًا كفروا مع نطقهم بالشهادتين (ولا خلاف) بين العلماء أن الذين نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا مع قولهم: لا إله إلا الله. هذا إجماع آخر. إذًا هذان إجماعان على أن هاتين الطائفتين لو فعلوا ما نُهوا عنه لكفروا مع قولهم: لا إله إلا الله. إذًا أجمع العلماء على أن ما كُفْرُهُ بالفعل فإن طلبه بالقول دون عمله لا يكفر صاحبه بالطلب وهذا هو المطلوب كما نص المصنف على ذلك. إذًا لا يستدل بهاتين القصتين على أن كل من فعل ناقضًا نقول: هذا لا يرجع إلى لا إله إلا الله بالنقض، نقول: لا، ولو قال لا إله إلا الله ألف مرة وفعل الشرك والكفر الأكبر حينئذٍ نقول: خرج من الملة ولا تنفعه لا إله إلا الله البتة، والقصص السابقة التي أوردناها في بني حنيفة والصحابة وعليّ رضي الله تعالى عنه والمنافقين تكفي في الرد.
هنا قوله: (ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، ولا خلاف في أن الذين نهاهم النبي لو لم يطيعوه لكفروا) من قال بأن طلبهم شرك أصغر (اجعل لنا ذات أنواط) قلنا: هذا فيه قولان، الراجح أنه شرك أكبر، ولا إشكال فيه لو فعلوه لفعلوا الشرك الأكبر وخرجوا من الملة، لكن لو قيل بأنه على القول الآخر بأنه شرك أصغر حينئذٍ كيف لو فعلوه لكفروا، ومعلوم أنه الشرك الأصغر لا يخرج به مرء من الملة، إذًا يجامع الإسلام. أول هنا هذا الإجماع بأنهم لكفروا لا لذات الفعل، بل لمعاندتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لا بد من التأويل، إذا قيل بأنه شرك أصغر وأجمع العلماء على أنهم لو فعلوا ذلك الأمر الذي طلبوه (اجعل لنا ذات أنواط) لكفروا يعني: الكفر الأكبر مع قولهم: لا إله إلا الله. إذا قيل: بأن هذا الطلب شرك أصغر تأتي مشكلة وإيراد، وهو كيف كفروا الكفر الأكبر مع كونهم فعلوا فعلًا لا يخرجهم من الدين؟ قالوا: هنا الكفر لا لذات الفعل، وهو اتخاذ ذات الأنواط وإنما لكونهم ردوا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا فيه نظر، بل الصواب ما ذكرناه سابقًا، وهذا هو المطلوب من القصتين.