إذًا تقرر بهذا وجوب إخلاص كل عبادة لله، والدعاء من العبادة أو لا؟ نقول: نعم من العبادة، ولذلك المصنف أراد أن يسلك مسلك التفهيم لهذا المشرك، لأنه جاهل إذا جهل معنى العبادة معناه يحتاج إلى أسلوب يَتَنَزَّل به المصنف من أجل أن يفهم، ولذلك لم يأت بالحقيقة، يقال: عبادة المعنى الاسمي والمعنى مصدري وهي اسم ... إلى آخره، وإنما أتى بمثال ليدل به على أن ما وقع فيه النزاع بينه وبين ذلك المشرك إنما هو من العبادة (فقل له أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟) ، ... (إخلاص العبادة) إذًا عبادة مع إخلاصٍ، عبادة بدون إخلاص قلنا: ليست بعبادة. لأننا نفسر ماذا؟ العبادة في المفهوم الشرعي، وثَمَّ مقارنة وملازمة بين الإخلاص والخضوع والتذلل لله تعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فإذا انتفى الإخلاص انتفت العبادة لأنه شرط فيها كالصحة صحة الصلاة بالنسبة للطهارة، فإذا انتفت الطهارة انتفت الصلاة، لا تكون صلاةً شرعية، كذلك العبادة إذا دخلها الشرك حينئذٍ انتقض لأنه إذا انتفى الإخلاص لزم منه الوقوع في الشرك. إذًا (إخلاص العبادة) أي: العبادة الخالصة لله عز وجل والإخلاص هو الخالص الصافي وهو: ما زال عنه الشوائب. يقال: هذا لبن خالص. أي: لم يشبه شيء. والإخلاص هو حب الله تعالى وإرادة وجه، وقيل: الإخلاص هو: أن يتوجه المكلَّف بأعماله كلها لله تعالى وحده دون ما سواه، فلا يقصد بعبادته مَلَكًا ولا شجرًا ولا حجرًا ولا نبيًّا ولا غيره. حينئذٍ تصدر هذه العبادة من المكلَّف ولا يريد بها إلا وجه الله تعالى، فإذا حصل التشريك حينئذٍ نقول: خرج عن طريق الإخلاص. (أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم) ولا بد أن يقول: نعم. لأنه يقرأ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
والآيات السابقة حينئذٍ (فإذا قال: نعم) فإذا قال: لا. صار مكابرًا، وهذا انقطعت المناظرة معه، إذا صار مكابرًا انقطعت المناظرة، (فقل له: بين لي هذا الذي فرضه) يعني: يستدرج معه في أن أول أو أن إخلاص العبادة لله تعالى مما فرضه الله تعالى على كل أحد، فسيقول: نعم الله تعالى أمر بإخلاص العبادة. طيب هذا حكم، أليس كذلك؟ والحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذًا حكمت بأن إخلاص العبادة فرض عليك، ما هي هذه العبادة؟ لأنك حكمت أولًا بأن الله تعالى فرض عليك هذه العبادة، إذًا فَسِّر لي هذه العبادة، حينئذٍ لا يخلو حاله من أحد أوجه ثلاثة:
إما أن يقول: الله أعلم، لا أدري.
وإما أن يقول: العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله .. إلى آخره أصاب، وهذا بعيد لأنه مشرك.
وإما أن يفسرها تفسيرًا خاطئًا. وهذا هو الذي معنا، إما أن يقول: لا أدري الله أعلم. وإما أن يفسرها تفسيرًا صحيحًا، وإما أن يفسرها تفسيرًا خاطئًا، هل ثَمَّ وجه رابع؟