قال ابن القيم رحمه الله تعالى في هذه الآية: أي هؤلاء الذين يعبدونهم من دوني هم عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي ويخافون عذابي كما ترجون أنتم رحمتي وتخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم من دوني؟ هذا النوع الأول (ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} ) هذا دليل ( {انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 75، 76] ) إذًا عيسى ابن مريم عُبِد، وكذلك ادعت إلهية أمه. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ... ( {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} ) . أي: له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام. وقوله: ( {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} ) . أي: مؤمنة به مصدقة له وهذا أعلى مقامتها، وقوله تعالى: ( {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} ) . والإله لا يأكل الطعام إذًا ادَّعَوْا الإلهية في عيسى وقال تعالى: ( {كَانَا} ) . يعني: عيسى وأمه. ( {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} ) أي: يحتاجان إلى التغذية به وإلى خروجه منهما فهما عبدان كسائر الناس، وليس بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، ثم قال تعالى: ( {انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ) أي: نوضحها ونظهرها (ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} ) أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون وبأي قول يتمسكون وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟ ثم قال تعالى بعد هذه الكل: ( {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ} ) . أثبت ماذا؟ بعد أن قال: ( {مَّا الْمَسِيحُ} ) عيسى. قال ( {أَتَعْبُدُونَ} ) إذًا عبد عيسى وعيسى قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا ثبت ماذا؟ ثبت أن أولئك المشركين الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن جملتهم فرق من النصارى أنهم عبدوا غير الأصنام.
ثم قال تعالى: ( {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ) . يقول ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية، فقال تعالى: ( {قُلْ} ) . أي: يا محمد لهؤلاء العابدين لغير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم يعني: الخطاب عام. ليس خاصًا بالنصارى، بل كل من فعل فعلهم فهو داخل في الآية ( {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا) أي: لا يقدر على دفع ضُرٍّ عنكم ولا إيصال نفع إليكم (وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ) أي: السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء فلما عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه.