نقول: إثبات تنوع المعبودات عند الأوائل، وإليك ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. إذًا إذا أقر بالمقدمتين السابقتين كفار يشهدون بالربوبية، وأنهم قصدوا الأصنام المنحوتة الشفاعة لم يعبدوها لذواتها هذا مسلم، لكن أراد أن يجعل تلك النصوص فيهم هم على جهة الخصوص لكونهم عبدوا الأصنام، وهو قد انفرد بعبادة ما هو أرقى عندهم وهو الأرواح الطاهرة، (ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم) يعني: فعل المشركين الأولين، (وفعله) هو المتأخر (بما ذكر) ما هو الذي ذكر؟ أن أولئك عبدوا أصنام منحوتة شجر حجر وهو لم يعبد الأصنام يعني هو بعقله ما زال لم يعبد إلا الأرواح، ... (فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام) إذًا تذكر له ماذا؟ تنوع معبودات المشركين، هذا مراد المصنف أراد أن يذكر بعض المعبودات بنصوص القرآن من أجل أن يُخْصَمَ ذلك الْخَصْم لأنه إذا تليت عليه الآيات إما أن يُسَلِّم وإما أن يرفض، فإن رفض فهي مكابرة ولا جدال معه، وإن سَلَّم فهو المطلوب (فاذكر له أن الكفار) تنوعت معبوداتهم من دون الله (فمنهم من يدعو الأصنام) {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ، {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] (ومنهم من يدعو الأولياء) منهم يعني: من أولئك الذين نزل فيهم القرآن وأنت أردت تخصيص معبوداتهم بالأصنام، منهم من يدعو الأولياء خُصِمَ أو لا؟
خصم. انتهى الفارق بين المتأخرين والمتقدمين.
(ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا] [1] } [الإسراء: 57] ) .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية: يقول تعالى: قل يا محمد للمشركين الذين عبدوا غير الله. هذه الآية {أُولَئِكَ} المشار إليه ما هو؟ لا بد من تمام الآية التي قبلها {قُلِ ادْعُوا} [الإسراء: 56] يا محمد للمشركين الذين عبدوا غير الله {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} من الأصنام والأنداد وارغبوا إليهم، فإنهم لا {يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ} أي: بالكلية. لا {يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ} أي: بالكلية {وَلَا تَحْوِيلًا} أي: ولا أن يحولوه إلى غيركم، فإن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر.
قال العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرًا وهم الذين يُدْعَوْن. كان المشركون يقولون ماذا؟ نعبد الملائكة وهي أرواح طاهرة والمسيح وعزير وهم الذين يُدْعَوْن.
وروى البخاري في الآية تفسير الآية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ناس من الجن كانوا يُعْبَدُون فأسلموا. والجن أرواح ليست بجمادات، إذًا ثبت.
(1) لا أدري أزاد الشيخ هذا الجزء من الآية من نسخة أم زادها للاستدلال.