إذًا كل هذه الشبه لها ارتباط بالمقدمات السابقة، إذا أردت ضبط الردود هنا لا بد من ضبط تلك المسائل، لما فسروا لا إله إلا الله لا خالق إلا الله، إذًا لا يقول: لا معبود إلا الله. لأن الذبح عند القبر والاستغاثة بالأموات هذا من العبادات، فلو قال: لا معبود إلا الله. إذًا لا يُذْبَحُ إلا لله ولا يُسْتَغَاثُ إلا بالله، فلو فَسَّر لا إله إلا الله بالمعنى الصحيح حينئذٍ لَمَا وقع في هذا الشرك، لكن لَمَّا حصل انحراف في تفسير لا إله إلا الله وهو أنه لا خالق إلا الله، إذًا لو ذبح لغير الله ليس هو الذي نفته لا إله إلا الله، وإنما الذي نفته لا إله إلا الله أن لا يُدَّعَى مع الله تعالى خالق، وهذا لا وجود له البتة، لا وجود لمن يَدَّعِي أن ثَمَّ خالقًا مع الله تعالى، أو رازقًا مع الله تعالى، أو من ينفع أو يضر مع الله تعالى، هذا المشركون المتقدمون مجموعون على عدم وجوده، فهو إجماع قطعي أيضًا، إجماع قطعي فحينئذٍ قوله: (نحن لا نشرك بالله شيئًا) . (لا نشرك) أي: لا نشرك به في الربوبية، ولذلك انتقل إلى تفسير هذا الشرك فقال: (بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق) . وهذا نفي للوقوع في الشرك في الربوبية لا في العبادة، إذًا حصل عنده خلل في المقدمة الأولى وهي في مفهوم الشرك الشرعي الحقيقي، ما هو الشرك؟ {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] وهذا قد جعل مع الله أندادًا ودعا مع الله أحدًا، إذًا نقول: الشرك بالله عز وجل له حقيقة شرعية لأنه نقيض التوحيد، وكما أن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات. نقيضها الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، والشرك في الأسماء والصفات. فمن لم يفهم التوحيد على الوجه الصحيح حينئذٍ: لا يمكن أن يفهم الشرك على الوجه الصحيح، فكما أن التوحيد له حقيقةٌ شرعية جاء بها الشرع فكذلك الشرك له حقيقة شرعية، بمعنى أن اللفظ لا ينظر إليه إلى المعنى اللغوي فحسب شرك توحيد فقط المعنى اللغوي، إله المعنى اللغوي، نقول: لا، الله، المعنى اللغوي لا ننظر إليه من جهة اللغة فحسب وإنما تكون اللغة معينة في فهم أصل المعنى الذي دلّ عليه لفظ الشرك إذا جاء في النص القرآني أو الحديث النبوي، يكون الأصل بمعنى التشريك له إشارة من حيث المعنى اللغوي، وأما المعنى العام الذي إذا أطلق في الشرع فينصرف إليه هذا نقول: حقيقة شرعية لا بد من استقراء النصوص نصوص الوحيين.
إذًا: الشرك بالله له حقيقةٌ شرعية لأنه نقيض التوحيد وكما أن التوحيد ثلاثة أقسام فكذلك الشرك ثلاثة أقسام:
شركٌ في الربوبية كقوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] . أي: من شركٍ في التدبير، والتصريف.