(وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) كأنه لما دعا إلى التوحيد قامت قيامة أهل البدعة من أهل الشرك ونحوه فردوا على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بشبهٍ وألفوا الردود لإضعاف أو إبطال دعوته. قال: (وأنا أذكر لك أشياء) . يعني: قواعد وأصول (مما ذكر الله في كتابه) إذًا: لما بين لك أن الكتاب هو مرد العالم الذي يرد على الشبهات، قال (أنا أذكر لك) من تلك الأصول المحكمات التي يستمسك بها من أراد أن يرد على أهل البدع (جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) . قال: (لكلام احتج) لم يسمه حقًّا ولم يسمه برهانًا ونحو ذلك لأنه كلام كاسمه (فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل.) يعني: إذا أردنا أن نَرُدَّ على أصحاب الشبه وأصحاب البدعة إنما يكون من طريقين لا ثالث لهما:
إمَّا (مجمل) ، وإمَّا (مفصل) .
والمراد بالمفصل أن تأخذ كل بدعة ودليلها عند صاحبها وتأتي بدليلٍ خاصٍ من كتابٍ أو سنة فتنقضها من أصلها، هذا يسمى ماذا؟ يسمى جوابًا مفصلًا، وهذا لا يكون إلا للعلماء، لأنهم هم الذين يعرفون كل مسألة بخصوصها، كل مسألة والنظر فيها لأنه قد يحتاج لحديث وهو موضوع من الذي يثبت أنه موضوع العامي لا يدرك ذلك، وأمَّا الطريق الإجمالي فهذا مشترك يعني: قد يكون سلاحًا في يد العاميّ الموحد الذي لا يحسن طريق الجدال، وقد يكون في يدي المبتدئ طالب العلم أو العالم الذي يكون قد نَسِيَ الجواب حينئذٍ: يستمسك بالمجمل، والمجمل هذا عامٌ في باب الشريعة كامل في باب المعتقد، وفي باب الفروق، (فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل) وهذا مرده هو الاستقراء للكتاب والسنة، (مجمل) المجمل هنا ليس هو المجمل عند الأصوليين ما لم تضح دلالته، لا، وإلا ما صح جوابه، لو فسرناه بما عند الأصوليين لما صح جوابه، بل المراد به المجمل يعني: القاعدة العامة، ولذلك نحذر دائمًا من تفسير المصطلحات لفن لفن، فلا ندخل مصطلح الأصوليين هنا في هذا المقام، فالمجمل هنا هو: الجواب العام والبرهان العام الذي يصلح أن يكون جوابًا لكل حجةٍ يُرِدُهَا الخصم، فكل بدعة يرديها الخصم نردها بهذا الجواب، فهو عام يشمل ماذا؟ كل بدعةٍ، فالعموم هنا في هذا الدليل من جهتين: من جهة المتكلم به، يدخل فيه العامي، وطالب العلم المبتدئ، والمتوسط، والمنتهي، ويدخل فيه العالم الذي قد نَسِيَ الجواب لا يستحضره، لأنه لو استحضر الجواب لَزِمَهُ الطريق الثاني وهو: رد البدعة مفصلًا، يعني: بدليله التفصيلي .. هذا عموم من جهة المتكلِّم بهذه الطريقة، وعموم الآخر من جهة شموله لكل بدعةٍ، ولذلك بدأ به المصنف فقال: (أما المجمل) قدمه على المفصل لماذا؟
أولًا: لشموله للعامي، يدخل فيه.
ثانيًا: لسهولته، لأنه سهل يمكن أن يفهمه طالب العلم آية واحدة يحفظها ويعرف المحكم وينتهي فهو سهلٌ.
ثالثًا: الكلام فيه قصير، ودائمًا عند أهل العلم إذا كان الصنف والقسم يقصر فيه الحديث فهو مقدمٌ على غيره.