قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"فقيام الدين بـ: العلم، والجهاد". قيام الدين يعني: الذي يقوم به الدين أمران: العلم، والجهاد. الجهاد يعني: المقاتلة بالسيف. ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان. وهذا يشارك فيه كثير، أليس كذلك؟ جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير من الخلق.
والثاني: الجهاد بالحجة والبيان. وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو: جهاد الأئمة. وهو أفضل الجهادين لعِظَمِ منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه، إذًا قيام الدين على أمرين: العلم، والجهاد. والجهاد نوعان وأعظمها نفعًا هو: الجهاد بالحجة والبيان.
(وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) ، (وإنما) هذا حصر قد لا يكون حصرًا يعني: ليس بظاهر. (وإنما الخوف على الموحد) هذا تحذير للعامي الموحد (الذي يسلك الطريق) يسير في الطريق طريق المجادلة (وليس معه سلاح) لماذا؟ لأنه الآن كمن دخل معركة بغير سلاح، معركة حسية، الإنسان يذهب ويأتي ويريد أن يقاتل وليس معه سلاح، قد لا يحسن، ماذا صنع أحسن أم أساء؟
أساء، لو وقف أمام مجادل عالم كبير في فنه وأورد الشبه، وجادل عنها وأتى بقرآن وسنة وأتى بأسانيد ونحو ذلك فحينئذٍ ماذا يصنع العامي؟ يفتح فاه ويقبل ما عنده يأكله أكلًا أليس كذلك؟ وتورد عليه الشبه، ولذلك قال هنا: (وإنما الخوف على الموحد) . يعني: من هو مُوَحِّد. يعني: أتى بالتوحيد. (الذي يسلك الطريق) طريق المجادلة (وليس معه سلاح) ، ولذلك إذا رجعت إلى أول قطعة قال: (فالواجب عليك أن تعلم) . إذًا هذا هو السلاح، فإذا دخلت الساحة وليس معك سلاح حينئذٍ يخشى عليك من أن يلتقمك ذلك العالم، لكن ثَمَّ تعارض أو فيما يبدو بين قوله: ... (والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين) . مع قوله: (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) . أدركتم؟
في الأول قال: (والعامي من الموحدين يغلب الألف) . هو ليس معه سلاح.
ثم قال: (الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) . قد يُفْهَمُ ثَمَّ تعارض بين الأمرين، إن فسر العامي بصاحب الفطرة السليمة فلا تعارض، إذ لا يلزم بين كونه صاحب فطرة سليمة أن يغلب بالفعل، وإنما هذه غلبة بالقوة يعني: لو قدر أن عاميًّا موحدًا سليم الفطرة حينئذٍ يغلب في التصور يغلب العلماء الذين بلغوا ألف لماذا؟
لأن فطرهم منتكسة ليست سليمة، ولا شك أن صاحب الفطرة السليمة يغلب من كان ذا فطرة فاسدة، هذا من جهة التَّجَوُّز العقلي، إذًا إذا فسر العامي بصاحب الفطرة السليمة حينئذٍ الغلبة ذهنية ليس لها واقع، وإن فُسِّرَ بالعامي الذي عنده العلم العيني حينئذٍ يقع نوع إشكال بين أول القطعة وآخرها.