فليس كل ما أتى به يعتبر حقًا، الميزان حينئذٍ العروض أو العرض على الكتاب والسنة، فما وافق فهو الحق ولو جاء ممن لم يفصح كلمة واحدة، وما كان من باطل حينئذٍ رُدّ عليه صاحبه ولو كان من أفصح الناس، فلا يقال في رَدِّ شبهة قالها العالم أو المحدث أو الإمام الفلاني فليست الفصاحة هي المعيار، وليس العلم في نفسه هو المعيار، يعني: حفظ العلم نفسه ليس معيارًا في قبول الحق، يعني: كونه يحفظ الصحيحين أو يحفظ السنن إلى آخره وما يُعَدُّ من أبيات أو دواوين ونحو ذلك نقول: هذا العلم في نفسه ليس هو المعيار، وهذا قد يغلط فيه البعض، ليس هذا العلم هو المعيار في قبول الحق ورد الباطل، وإنما كل من نطق بحرف واحد فيُعْرَضُ قوله على الكتاب والسنة بقطع النظر عن قائله، فإن وَافَقَ قُبِلَ وإلا رُدَّ على قائله أيًّا كان نوعه، فليست الفصاحة هي المعيار، وليس العلم في نفسه هو المعيار، بل لا بد أن يكون العلم نافعًا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان موافقًا للكتاب والسنة، وإنما يكون كذلك إذا كان مستنده الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، وليست الحجج الحجج والإيرادات هي المعيار لذلك قال: (أهل فصاحة وعلمٍ وحُجج) . حجج يعني: يجادل ويحاجّ، حاجّ إذا أورد حُجَّتَهُ، وحاجَّهُ إذا غَلَبَهُ بِحُجَّته، حينئذٍ إيراد الحجج والشبهات والتأليف والتصنيف هذا ليس معيارًا لقبول الحق، ليس كل من كتب ردًا حينئذٍ نقول: هذا دليل على أنه صاحب حق، لا، لا بد أن يُعْرَضَ ذلك الرد على الكتاب والسنة.
إذًا خلاصة ما ذكره ليس لأحد في نفسه حجةً على الكتاب والسنة، بل الكتاب والسنة وما نقله سلف الأمة هو الحجة على الخلق، بقطع النظر عن صفة الخلق كانوا علماء كانوا جهلاء كانوا متخصصين كانوا .. كانوا .. إلى آخره، نقول: هذه الأمور كلها ليست معيارًا في قبول الحق أو رده، وإنما المعيار والميزان هو أن يعرض القول والعمل على قول الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فما وَافَقَ قُبِلَ، وما خَالَفَ رُدَّ على صاحبه أيًّا كان ذلك الصاحب.