فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 446

وقد أشار الشيخ هنا رحمه الله تعالى إلى هذا لبيان أنه ينبغي للموحد أن يعلم أن لهؤلاء علومًا وحججًا قد تروج على العامي ومن غلبه الجهل، ولذلك لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمين معلمًا قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» . بين له ابتداءً حال المدعو أنك تدعو أهل كتاب، قال القرطبي رحمه الله تعالى: وإنما نبهه على هذا ليتهيأ لمناظرتهم ويُعِدُّ الأدلة لامتحانهم، لأنهم أهل علم سابق بخلاف المشركين وعبدة الأوثان، إذًا بَيَّنَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - أول الأمر «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» . لِيُعِدّ الأدلة ولِيُزَوِّرَ ما قد يكون من شبهٍ لهم في نفسه ويُعِدُّ الجواب لذلك. إذًا نقول: أهل الكتاب أهل علم وحجج. حينئذٍ نحتاج إلى ردِّها، إذًا (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة) ليست علوم فحسب (وحجج) وليس المراد هو علوم علُوم التوراة الإنجيل، لا، مراده علوم التي تتعلق بالوحيين يعني: قد يكون مُفَسِّرًا وكبيرًا في علم التفسير، وقد يكون محدثًا وكبيرًا في علم الحديث، وقد يكون لغويًّا أو أصوليًّا وكبيرًا في هذا العلم، هو يتحدث عمن يناوئ دعوة التوحيد، وهو إنما دعا بين أظهر المسلمين في الأصل، فحينئذٍ العلوم الموجودة بينهم ليست هي علوم التوراة والإنجيل، وإنما هي العلوم المتعلقة بالوحيين، إذًا كونه مفسرًا كونه محدثًا كونه فقهيًا كونه لغويًّا نقول: هذا لا يمنع من أن يكون مُشْرِكًا، ولا يمنع من أن يكون مُبْتَدِعًا ضَالاًّ مُضِلاًّ، لا يمنع أن يُتَكَلَّمَ فيه بالحق (علوم كثيرة وحجج) عند صاحبها، إذا تكلم - كما ذكرناه سابقًا - كل من تكلم بباطل وخاصة من أهل هذه الملة إنما يستند فيما يتمسك به ظاهرًا إما إلى كتاب وإما إلى سنة، ولذلك الشبه التي يُوْرِدُها أهل البدعة قديمًا وحديثًا لا تُورَد هكذا مستقلة رأي مستقل، وإنما لا بد أن تصدق إما بآية وإما بنص نبويّ دون نظر في صحة هذا النص، أو بقول لعالم حينئذٍ نقول: هذا كله لا يكفي. (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج) جمع حجة المراد بها البراهن يعني: ما يقيمه برهانًا لقوله: سواء كان شِرْكًا أو كان دون ذلك (كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ} ) يعني: الكفار ( {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [غافر: 83] ) ( {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ} ) الكفار ( {رُسُلُهُم} ) جمع رسول مراده ( {بِالْبَيِّنَاتِ} ) أي: بالحقائق البَيِّنَة ( {فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} ) قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم وما أثروه من الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئًا، ولا رد عنهم ذَرَّةً من بأس الله، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات والحجج القاطعات والبراهين الدامغات لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم واستغنوا بما عندهم من العلم الذي في زعمهم، زعموا أنهم على عِلْم واغتروا بذلك، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لم نُبْعَثْ ولن نعذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت