فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 446

هنا المصنف رحمه الله تعالى كثير من الشراح أَوَّلُوا العبارة لأنه لم يُرِدْ بقوله: (فلا يعذر بالجهل) لأنه يُعفى عنه مطلقًا العذر بالجهل، لأنه في بعض المواضع ذكر أن المشرك إذا وقع في الشرك قد يُعْذَرُ بالجهل، وثم تعبيران للمصنف رحمه الله تعالى في بعض المواضع أنه يُعذر، وفي بعض المواضع أنه لا يُعذر، وقد ذكر المحقق شيئًا من ذلك، والصواب أن يقال: بأن المصنف قوله متحد، وهو أنه لا يعذر بالجهل في أحكام الدنيا سواء بلغته الحجة الرسالية أو لا، وأما في الآخرة في تَنْزِيلِ الثواب والعقاب فمن بلغته الحجة الرسالية لا يُعْذَر، وأما من لم تبلغه هذا شأنه وأمره إلى الله تعالى، هذا التفصيل هو الذي ينبغي أن يعتمد.

(فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه) ولذلك جاء في الحديث الصحيح «أن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا» . وجاء كذلك في الرجل الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان فقال الله: من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك» . ولذلك جاء كذلك في قصة أولئك النفر الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك لما قالوا: ما رأينا مثل أصحابنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، نزل مباشرة قوله تعالى {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66] قوله {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} دل على أنهم كانوا مسلمين وليسوا منافقين كما قال بعض المفسرين، بل هم مؤمنين بنص الكتاب {قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} كفروا بماذا؟ بكلمة: ما رأينا مثل أصحابنا هؤلاء. يقصدون به النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا سبّ لله تعالى تنقص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك بعضهم حمل قوله: (بكلمة يخرجها من لسانه) على أن المراد به السبّ سبّ الله تعالى أو سبّ الدين مثلًا، وقيل: يحمل كلامه على من سبّ الله تعالى أو سبّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإن لا يعذر كما في قصة النفر الذين نزل فيهم قوله {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ} الآيات. أو يحمل على الذي فَرَّطَ وقَصَّرَ في التعلم، يعني الجاهل الذي يعذر هو الذي لم يتمكن من العلم، وأما الجاهل الذي أمكنه العلم وقَصَّرَ وفَرَّطَ قالوا: هذا لا يُعذر.

إذًا قول المصنف: (وقد يقولها) يعني تلك الكلمة المكفرة (فلا يعذر بالجهل) يعني ينزل عليه الحكم ولا يكون الجهل عذرًا له، متى مطلقًا؟

نقول: لا، لا بد من التفصيل، وهو أن تكون هذه من المسائل الظاهرة الواضحة البيِّنة فيحكم عليه بالكفر ولا يعذر بالجهل، أو يكون جاهلًا ولكنه قد قَصَّرَ في التعلم ونحو ذلك.

والجهل الذي هو بمعنى عدم العلم هل هو عذر رافع للإثم أو لا؟

هذا الذي ذكرنا أنه محل خلاف عند المتأخرين، والحكم على صاحبه بما يقتضيه عمله، قال القرافي في (( الفروق ) ): القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل. يعني الجاهل، من هو الجاهل الذي قد يقال بأنه يعذر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت