فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 446

نقول: هو الذي لو بذل ما في وسعه لتعلم الدين فلم يتمكن، هذا معذور أو لا؟

معذور في الآخرة على القول بأنه المحل محل الثواب والعقاب، وأما في الدنيا فلا، ولذلك قال: القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله، وأوجب عليهم كافة أن يعلموها، ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بهما واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلًا فقد عصى معصيتين بتركه واجبين. وهذا كلام حق وهو أن كل من أمكنه العلم فترك التعلم حينئذ لا يكون العذر مطلقًا في الأصول والفروع، لا يكون حجة له البتة، بل إمكان التعلم حجة عليه، إمكان التعلم يعتبر حجة عليه.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله ونهى عنه فقَصَّرَ عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة. وهذا المراد به ما يُعَبَّرُ عنه ببلوغ الحجة الرسالية، يعني لا يشترط في بلوغ الحجة أن يَعْرِفَ الآيات وأن يعرف النصوص من السنة تتلى عليه ويعرف معناها، نقول: لا، متى ما بلغه أن الله تعالى بَعَثَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بكتاب وسنة، ثم لم يبذل الوسع في تعلم هذين الأمرين حينئذ نقول: هذا قد قامت عليه الحجة. فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله ونهى عنه فقَصَرَ عنه أو قَصَّرَ عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة، يعني ثبتت عليه مقتضاها.

والقول بالعذر بالجهل لا ينفي عنهم الوصف بالكفر لمن أظهره، يعني إذا قيل بأنه يعذر أو لا يعذر، قلنا: في المسائل الظاهرة لا عذر، حتى لو قيل بالعذر بالجهل في حقه نقول: هذا لا يمنع أن يوصف بكونه مشركًا وكافرًا، لماذا؟

لأن الحكم مُنْصَبٌ على الأمر الدنيوي، وأما الأمر الأخروي فهذا شأنه وأمره ومرده إلى الله تعالى. ولذلك يقول ابن القيم في (( طريق الهجرتين ) ): الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دَانَ بدين غير الإسلام فهو كافر. وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. - هذا في الجملة - والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه - هذا في أحكام الثواب والعقاب -. نقول: بلغته الحجة أو لا، وأما في أحكام الدنيا فلا فرق بين المسألتين، فنُنَزِّلُ عليه أحكام الكفار مطلقًا، كل من تَلَبَّسَ بالشرك فهو مشرك، كلّ من وقع في الشرك فهو مشرك سواء كان عالِمًا أم جاهلًا، وأما كونه جاهلًا هل يعذر في الآخرة عند الله تعالى أو لا؟ هذا محل النظر. هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم في أحكام الدنيا حكم أوليائهم، لأن المرد إليهم. وقال الصنعاني في (( تطهير الاعتقاد ) ): (( فإن قلت هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه - لما بليت الأمة في الآونة الأخيرة بالرجوع إلى الشرك والطواف حول الأضرحة والذبح والنذر والاستغاثة ) ). وهذا موجود إلى يومنا هذا هل هؤلاء مشركون أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت