فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 446

وقد يكون قوليًّا بمعنى أن الحكم مُنْصَبٌّ على القول ولو لم يصاحبه اعتقاد، ولذلك قال تعالى هناك: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 74] ، {قَالُواْ} القول باللسان {كَلِمَةَ الْكُفْرِ} فكفروا، إذًا بكلمة يُخرجها من لسانه لا من قلبه، (وقد يقولها وهو جاهل فلا يُعْذَرُ بالجهل) قد يقول هذه الكلمة التي تعتبر كفرًا وردة عن الإسلام لا يُلْقِي لها بالًا وهو جاهل، جَاهِلٌ بمضمونها أو بحكمها؟ بمعناها أو بحكمها؟

وهو جاهل، هل يجهل معنى هذه الكلمة لو سبّ الله تعالى وأتى بلفظ هو سبّ، لكن لا يدري أنه سبّ، أو يدري أنه سبّ ولا يدري أنه كفر؟

فرق بين النوعين أو لا؟

فرق بين النوعين، يعني تكلم بكلمة ولا يدري أنها سبّ هذا حينئذ نقول: لا يؤاخذ حتى يعلم. أما إذا علم أن سبّ وجهل ما حكمها أنها مكفرة حينئذ يبقى الحكم، وهو الذي نص عليه (فلا يعذر بالجهل) يعني هل يعذر أو لا يعذر؟

ظاهر كلام المصنف هنا رحمه الله تعالى أنه لا يعذر بالجهل، وهذه المسألة طويلة الذيل، وهو من وقع في الشرك أو الكفر وهو جاهل هل يُعذر أو لا يعذر، وسبق معنا مرارًا أن الصواب في المسألة التفصيل بين المسائل التي تعتبر شركًا ومتعلقة بأصول الدين، وهي المسائل التي يُعَبَّر عنها بأنها المسائل الظاهرة، وبين ما يمكن أن يكون خَفِيًّا، فالمسائل الظاهرة المتعلقة بالتوحيد مفهوم لا إله إلا الله وما يضادّ شروط لا إله إلا الله أو الأمور المعلومة من الدين بالضرورة فهذا لا يعذر فيه بجهل البتة، فكل من وقع في الشرك فحينئذ نقول: قد وقع عليه الشرك ويحكم عليه بكونه مشركًا ولو كان جاهلًا، وهذا يُنْظَرُ فيه إلى الحكم الدنيوي، وأما الأمر الأخروي فهذا هو الذي قد يَنْصَبُّ عليه قول بعض المتأخرين بأنه لا يمكن أن يحاسب العبد إلا إذا بلغته الحجة الرسالية، لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ... [الإسراء: 15] حينئذ من بلغته الحجة الرسالية وهو بلوغ النبي - صلى الله عليه وسلم - الكتاب والسنة حينئذ نقول: هذا البلوغ مسقط للعذر بالجهل، وأما من لم تبلغه الحجة الرسالية حينئذ نقول: هذا فيه نظر من جهتين:

من جهة الأحكام الدنيوية.

ومن جهة الأحكام الأخروية. يعني الثواب والعقاب - كما سيأتي كلام ابن القيم.

أما في الدنيا فنحكم عليه بالشرك والكفر ونُنَزِّلُ عليه أحكام الكفار، يعني لا يُصلى عليه ولا يُورث ولا .. إلى آخره، وأما في الآخرة فنقول: هذا مرده إلى الله تعالى. وهذا يُضْرَبُ له مثل بأطفال الكفار ومجانين الكفار وأهل الفترة ومن مات ولم تبلغه دعوة الرسل، حينئذ نقول - على هذا التفصيل: ننظر إلى من أمكنه بلوغ الحجة الرسالية إليه أو لا، فمن أمكن بلوغ الحجة الرسالية الكتاب والسنة إليه ولو لم يَسْعَ في تَعَلُّمِ ما جاءت به الرسل حينئذ إذا وقع في الكفر نوقع عليه حكم الكفر، فنقول: هو كافر وهو مشرك كذلك، ونُنَزِّلُ عليه الأحكام المتعلقة بالكفار وأهل الشرك، وأما ما كان دون ذلك من المسائل التي قد يقع فيها نوع خفاء التي يُعَبَّرُ عنها بالمسائل الخفية فهذه قد يقال بأنه لا بد من إقامة الحجة أولًا ثم بعد ذلك ينصب عليه الحكم بالكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت