لأنه قد يلتبس يظن الظَّانّ أن المشرك ولو وقع في الشرك لكن إذا وجد معه نوع صلاح من تعبد ونحوه يظن أن هذا الصلاح وهذا التعبد يرفع عنه وصف الشرك، نقول: لا، لا يلتبس لأنك لو نظرت في حال أولئك المشركين وعلمت أنهم قد يحصل عندهم نوع تعبد ومع ذلك كفرهم وحكم عليهم بالشرك وقاتلهم، حينئذ نقول: وصفهم بنوع صلاح لا يرفع عنهم وصف الشرك. (وعرفت الشرك بالله) يعني بنوعيه الشرك الأكبر والشرك الأصغر حقيقته وحكمه وحال أهله، الذي قال الله تعالى فيه محذرًا منه مبينًا حكمه {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ، {إِنَّ اللهَ} هذه جملة مؤكدة {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ} المغفرة والغفران من الله وأن يصون العبد من أن يمسه العذاب، {لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} لا يغفر إشراكًا به، إشراكًا به إشراكَا كما سبق معنا أنه نكرة في سياق النفي حينئذ هل يعمَّ أو لا؟ قولان: هل يعم الشرك الأصغر أم أنه خاص بالشرك الأكبر؟ قولان والظاهر أنه خاص بالشرك الأكبر، لأن هذا هو الظاهر من نصوص الوحي وهو أنه إذا أطلق الشرك في القرآن انصرف إلى الشرك الأكبر، ولذلك لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» . فسئل عنه، سئل عنه ما هو؟ يعني ما عرفوه، إذًا إذا أطلق الشرك انصرف إلى الأكبر، سئل عنه فقال: «الرياء» . هذا الأصل ولذلك يحتاج إلى قيد فيقاتل هذا شرك وهذا شرك أصغر، إذًا نحتاج إلى قيد نقول: هذا فرع وحكمه يكون مخالفًا، يكون مخالفًا لما سبق على التفصيل الذي ذكرناه في هذه الآية. إذًا {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} يعني أن تصرف العبادة لغيره، فحينئذ إذا وقع في هذا الشرك الذي حكم الله عليه بأن صاحبه لا يغفر له البتة، فقال في شأنه: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ} كما أطلق انظر إطلاق هنا وإطلاق هناك {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] أي شرك هذا؟ هذا بالإجماع لا خلاف فيه، ومع ذلك أطلقه، ومع ذلك {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ} نكرة في سياق الشرط فتعمّ، وبالإجماع أنه لا يعم الشرك الأصغر، أليس كذلك؟ يعمّ أو لا يعمَ؟ بالإجماع في هذه الآية لا يعم الشرك الأصغر وإنما هو خاص بالشرك الأكبر. إذًا (إذا عرفت ما قلت لك) من معنى الإلوهية، وعرفت نقيض التوحيد، وهو الشرك بالله عز وجل، ... (وعرفت دين الله الذي بَعَثَ به الرسل من أولهم إلى آخرهم) وهذا قلنا: أعلى إجماع قطعي هو إجماع الرسل كلٍّ على مسألة واحدة، وهو أنهم إنما بُعِثُوا لتحقيق توحيد الرب جل وعلا، وهو إفراده سبحانه بالتعبد.