فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 446

وهذا معنى الرب السابق، ففرق بين الرب وبين الإله، (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد) يعني الذي يُقْصَدُ لأجل التوسط عند الله تعالى، فالمشركون الأولون يسمون هذه الأشياء آلهة، يسمونها ماذا؟ آلهة، إذا قصدوا الوساطة بينهم وبين الله سموه ماذا؟ إلهًا، كانوا صادقين مع أنفسهم سَمَّوْهُ إِلَهًا، وأما المشركون المتأخرون ينفون كونها آلهة ويسمونه اعتقادًا أو توسلًا ونحو ذلك، إذًا بدلَّوا وغيَّروا في الأسماء والحقيقة هي الحقيقة، فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى كلمة التوحيد يعني إلى تحقيقها، يعني ليس قولَها فقط وإنما أن يقولوها وأن يعملوا بمضمونها، وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، إذًا ليست اسمًا لا مُسمَّى له، وليست لفظًا لا مضمون له، بل هي لفظ ومعنى، فاللفظ النطق بها دون العلم بمعناها لا يكفي أليس كذلك؟ فلا بد أن يَْفِظَ بها وأن يعرف يعلم معناها، وأن يعمل بمقتضاها، فإن لفظ بها دون علم بمعناها فضلًا عن عمل بمقتضاها لا تنفعه، فإن لفظ بها وعلم معناها ولم يعمل بمقتضاها كذلك لا تنفعه، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق - يعني التعبد - والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله قالوا: ... {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ) . إذًا فهموا معنى لا إله إلا الله، وعَرَفُوا أن المراد هو إفراد الله تعالى بالتعبد والتعلق والتأله، وأن ينفى التعلق والتعبد والتأله عن غير الله تعالى، لأنهم عرفوا أن قوله لا إله - إله أن المراد به المعبود يعني لا يُصْرَفُ شيء من العبادة لشيء غير الله عز وجل، فيفرد سبحانه بالتعبد والتعلق، وأن هذه المعبودات التي صُرِفَتْ إليها أنواع من العبادة ليست آلهة، وهم قد جعلوها آلهة، {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ} إذًا اعترفوا بأنها آلهة، وأرادوا أن يعددوا الآلهة فمضمون لا إله إلا الله هو الكفر بما عدا الله تعالى من الآلهة، إذًا فهموا المراد بخلاف المتأخرين. (فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يَدَّعِي الإسلام) هم كفار أصلًا كفر أصلي نشئوا على الكفر، ولما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: ... «قولوا لا إله إلا الله» . فهموا المراد، ولذلك أَبَوْا أن يلفظوا بها امتنعوا، لماذا؟ لأنهم إذا لفظوا بها مع معناها - وهو الكفر بما سوى الله تعالى من المعبودات - لزمهم العمل بمقتضاها بخلاف المتأخرين المنتسبين إلى أهل الإسلام، (فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يَدَّعِي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرف جهال الكفار) يعني جهلوا أو خالفوا (بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني وهذا باطل) لأنه - كما ذكرنا - أن لا إله إلا الله ليست لفظًا مجردًا، ولذلك المنافقون قالوا: لا إله إلا الله في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن هل نفعتهم؟

لا تنفعهم، لماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت